روسيا والرئيس العائد إلى سوريا برعاية إقليمية 2/2- كتب السياسي ا. شحادة جمال الدين

”
كتب السياسي الاستاذ شحادة جمال الدين
أما النقطة الثانية وهي نقطة الدول الإقليمية ذات الأغلبية الطائفية السنية وعلى رأسها تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر ، فتفاهمها على الحل الجديد في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع ومن سيأتي بعده بصفته رئيساً لمرحلة إنتقالية ، هو تفاهم يحتاج إلى مرتكزات تذهب أبعد من حدود الدولة السورية ، وخير مثال التفاهم السعودي _ التركي في سوريا وإنعكاساته على لبنان ، فلبنان الواجهة البحرية الضرورية للمملكة العربية السعودية التي تمر بمحافظة درعا ودمشق وهو الذي يقيم التوازن لصالح المملكة العربية السعودية بمقابل التفوق التركي عند الحدود السورية _ التركية .
فقدرة تركيا على صياغة حركة تحالفات عند الحدود العراقية التركية والحدود الإيرانية التركية ، يجعل المملكة العربية السعودية دولة حبيسة ومهددة بأمنها وسلامة أراضيها ، إن كان من إسرائيل التي تعمل على إغلاق منفذها في لبنان لإجبارها على الرضوخ والدخول في إتفاقات مباشرة للسلام معها ، أو من مجموع الدول الإقليمية في حال الإختلاف بوجهات النظر .
فضمانة التفاهمات الجديدة بين أنقرة والرياض هو أن يكون لبنان خالصاً للنفوذ السعودي .
فعند أي تفوق تركي في لبنان تعتبر المملكة العربية السعودية بحكم الخارج من سوريا .
أو أن تكون أنقرة والرياض مجبرتان على إعادة تفعيل علاقاتهما بروسيا وإعطاء المجال الأوسع لها في سوريا
وكانت اللقاءات والزيارات المتبادلة بين المملكة وروسيا خير دليل وآخرها لقاء وزير خارجية المملكة فيصل الفرحان بنظيره الروسي سيرغي لافروف في روسيا وسبقه قمة الرياض التي جمعت روسيا وأمريكا والمملكة العربية السعودية على طاولة واحدة .
إلا أن هذا الطرح يحمل إشكاليات أو خطوات حتى يصبح قيد التنفيذ .
ويوجب السؤال أي متى يصح للعامل الروسي أن يكون عامل فض نزاع في سوريا بين المملكة وتركيا كما أسلفنا ومتى ينتفي هذا الأمر ؟ .
وهل للعلويين في سوريا علاقة بفض هذا النزاع وما هي أسباب إرتباط العامل العلوي بروسيا ؟
أولاً الدور الروسي المباشر الذي تحدثنا عنه في بداية المقال عبر الحديث عن الوزن الدولي على الأرض السورية بحكم أنها منطقتهم الأول ، يفيد المملكة وتركيا بخصوص مواجهتهما للمشروع الإسرائيلي وهو الذي يطمح لعزلهما عن بعض ولضرب الفضاء الحيوي لهما .
ولكن الإشكالية لا تحل بوجود الروس فقط ، بل ستعود الأزمة بينهما مجبرين عليها رغم حسن نواياهما إجتاه بعض ، فستذهب الأمور إلى نزاع مبطن ويتطور ليصل إلى شبه تقسيم بين شمال وجنوب لطمئنت المملكة .
وهنا الإجابة في قسمين بخصوص الروس خاصة بعد الزيارات المتبادلة بين السعوديين والروس وقبلها قمة الرياض ونزع الهواجس لدى القيادة التركية .
الجواب الأول أن تركيا الممسكة بمضيق البوسفور والدردنيل تحفظ لنفسها الضمانة المطلقة تجاه أي تقارب سعودي روسي وهو ما يعطيها الطمأنة من هكذا خطوة ، فمحرك التقارب السعودي الروسي في الرياض ومكابحه في أنقرة .
فتنتج علاقة تفاعلية إيجابية ومميزة بين تركيا والمملكة بخصوص الدور التركي في المملكة الأردنية الهاشمية والمرور بإتجاه البحر ومنها إلى السودان مقابل التقارب السعودي الروسي وإنعكاساته على الأرض في سوريا .
الجواب الثاني الحضور الروسي في سوريا ، وتحت ضغط الدعوة إلى تفعيل دور أبناء الطائفة السنية في سوريا ، وتحت رعاية الروس كما تسعى له الدول الإقليمية ذات الاغلبية السنية ، هو طرح وجداني عاطفي صادق في توجهه ، ولكنه معطل يأتي بنتائج كارثية مدمرة .
وهو ما يعطل الحل المرضي للمملكة وتركيا على الجغرافيا السورية .
والسبب أن الأميرال الروسي إذا أعطى الركن للواء السني في سوريا ، جعله متفوقاً على الأتراك والسعوديين والمصريين وحتى دول المغرب العربي مجتمعة .
فتعمل النتيجة عكس المنطق فسوريا ممر في الجيوبولتيكيا وليست مقراً لقوة إقليمية .
ولكنها تحمل حاضرة تاريخية وهي حاضرة الدولة الأموية ،
وحاضرتها لم تأتي من جغرافيا الدولة السورية .
فسوريا ككيان تعاني إحتضار جيوبولتيكي ، وحاضرة الدولة الاموية أتت من سقوط مصر بيد المسلمين هناك أركان الدولة العظمى والا لما أسماها رسول الله بارض الكنانة ، وخير ما يقال أن الإسلام هبة مصر .
وهنا الإشكالية فليس هناك بديل عن روسيا في سوريا وبدونها إسرائيل هي المتفوقة ، ولا يجب أن تعطي الركن للسنة في سوريا فالأميرال الروسي أعلى من التركي والمصري والسعودي ، يصبح اللواء السني أقوى منهم على الارض
وتغلق الممرات في وجههم جميعاً .
وهنا يأتي الجواب على دور العلويين في سوريا وما علاقة روسيا بهم .
الجواب بأن الرغبة السعودية التركية بتقديم العلويين في سوريا لو تحققت ، وعاد الرئيس بشار الأسد للحكم في سوريا أو أي شخصية علوية أخرى .
لا تقوى الشخصية العلوية على تحمل الدور المناط بها ، لا بل لا تقوى هذه الشخصية على الوقوف على قدميها ، فتركيا والسعودية يتزعمان في العالم الإسلامي والعلويين طائفة صغيرة .
هنا يأتي الدور الروسي في تأمين القوة للعلويين للعب هكذا دور ، ولكن كيف سيتم تجيير هذا الدور في العلاقة بين تركيا والسعودية بشكل يطمأن الطرفان ويؤمن فتح الممرات الجغرافية لكلهما .
الجواب هو في ورقة القوة التي تمتلكها تركيا فالعلويين في فضائها الجغرافي في تركيا وفي مدارها الحيوي في سوريا في الساحل السوري فمدى المدفعية التركية يغطي كامل الساحل .
وهو ما يعطي طمأنت لتركيا حول تنامي دور العلويين في سوريا فهم مهما تنامت قوتهم لا يشكلوا قدرة لنقل مركزهم إلى الفضاء السعودي ، لإلتصاقهم الجغرافي بتركيا ووجود أغلبيتهم الساحقة في تركيا كطائفة .
هنا يتراجع الركن السني لخلق حالة طمأنة وثقة ليس فقط للسعودية بل حتى لمصر ولدول المغرب العربي وباقي دول الخليج العربي .
وكانت أزمة الثقة بين الرئيس اردوغان والرئيس بشار الأسد سببها ليس في العلويين بل في الأركان السنية إن كانت روسية الهوى أم سعودية أم مصرية وغيرها .
فالعلويين عامل مطمئن للأتراك ليست المشكلة فيهم بل الحل معهم .
دور السنة في زعامة سوريا شبيه بدور ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ، تحولت ألمانيا لدولة رائدة إقتصادياً مقابل عهود من الحروب المدمرة ، كذلك سوريا ستتقدم بنخبها السنية لتصبح رائدة في تظهير الأدوار الدولية لمجموع الدول المتعاونة معها ، ونخبها السنية متفوقة على مستوى الدعاية السياسية في العالم العربي ولها أن تتميز بدور إضافي في الفضاء الإسلامي .
إلى جانب تقدم العلويين في رأس هرم السلطة للأسباب التي بيناها ، والأمثلة كثيرة على النخب السنية وخير مثال السيد فاروق الشرع والسيد مناف طلاس والسيدة أسماء الأسد وحتى الرئيس أحمد الشرع قدم صورة مميزة على مستوى الدعاية السياسية لسوريا في العالمين العربي والإسلامي وغيرهم من الشخصيات التي تحمل ميزة التفوق في هذا المجال ، ويظهر أقواها الأكثر تفاعلاً مع روسيا .
والمثال الثاني التفاهم التركي _ المصري ، فالمعروف أن سوريا هي الجبهة الشمالية لمصر وخط الدفاع الأول عن العاصمة المصرية القاهرة المكشوفة في مجنباتها عند هضبة الجلالة على البحر الأحمر حيث تعمل القطاعات البحرية الإسرائيلية منطلقتاً من إيلات ، إلا أن معضلة التفاهم التركي المصري في سوريا برئاسة الرئيس أحمد الشرع وإنعكاس الحكم الجديد على مستقبل الحياة السياسية في المملكة الأردنية للهاشمية شرقاً ولبنان غرباً وهنا سنعود إلى نقطة الصفر كما في تفاهم الرياض أنقرة ، فالمعضلة ليست بنوايا الأطراف بل في إنتاج معادلة تفضي إلى جعل الجميع مطمئن لنتائج النظام السياسي الجديد في سوريا وعلاقته الجوار الإقليمي .
أو عودة الطرفين إلى تفعيل الدور الروسي في سوريا كدور عازل يمطئن المصريين من مستقبل المسار السياسي في سوريا .
ومعه عودة الرئيس بشار الأسد إلى الحكم في سوريا فتركيا تحتفظ بضمانة أن العلويين في فضائها الحيوي وتحت مرمى نيران مدفعيتها التي تغطي كامل الساحل السوري ، وتقطع خط إمدادهم شرقاً من محافظتي إدلب وحماة وغرباً من البحر من قبرص التركية وسواحل أضنة ، فالبحرية التركية أقرب للسواحل السورية من البحرية المصرية التي تبعد مئات الأميال .
وهو ما يشكل ضمانة أكبرى لتركيا عند عودة الرئيس الأسد لسوريا فتقدم الدولة السورية برئاسة سنية لا يلغي الهواجس لدى القيادة المصرية ورغم كل بوادر حسن النية التي ظهرت في الآونة الأخيرة بينهما .
فمصر تتحسب لأي دور سياسي قريب من تركيا في المملكة الأردنية الهاشمية وخاصة المقربة من الأخوان المسلمين ، وكانت مصر تريست في قبول الواقع الجديد في سوريا لإعتبارات جيوبولتيكية صرف ، إلا أنها عادت نسقت الأدوار مع القيادة السورية الجديدة ، وهذا لا يلغي المخاوف من حدوث أي خلل في توازنات المنطقة .
فالرئيس السني في سوريا هو عامل مبهم لدى الدول الإقليمية السنية في المنطقة السعودية ومصر وتركيا والمغرب .
فلا تطمئن هذه الدول لمجريات الأحداث وهو ما سيؤدي إلى فوضى أمنية وسياسية في سوريا على غرار زمن الإنقلابات والفوضى فيها قبل وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة فيها .
يومها كان الصراع على أوجه بين المخابرات المصرية والسعودية والتركية وحتى المغربية ، لإيجاد عامل تطمئن له مجموع هذه الدول .




