تأريخ العلاقة بين حركة أمل و العراق – محمد المشهداني – بغداد

“”
بأختصار العلاقة بين حركة أمل والعراق _ بين الإنتماء الشيعي والسياسة الإقليمية بين ما قبل 2003 وما بعده.
تُعد حركة أمل من إحدى أهم و أبرز الحركات السياسية الإسلامية والعسكرية في تأريخ المقاومة الشيعية في لبنان والمنطقة و ليس فقط لأنها شكّلت قوة ردع أمام الأنظمة القمعية بل لأنها كانت أيضًا مدرسة سياسية وعسكرية لعبت دورًا أساسيًا في حماية الشيعة العراقيين في الشتات وتأمين بقاء المعارضة العراقية في مرحلة كانت حرجة للغاية.
العراق في المخيال الشيعي اللبناني _
لم يكن العراق بالنسبة لشيعة لبنان مجرّد بلد عربي شقيق بل هو رمزاً المركزية الدينية إذ تحتضن النجف الأشرف المرجعيات الدينية ومنها العليا مثل السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي
و السيد علي الحسيني السيستاني ومن خلال هذه المرجعيات الدينية حافظت حركة أمل على قنوات التواصل المعلنة و الغير معلنة مع القيادات الدينية العراقية رغم إختلاف السياقات السياسية بين البلدين.
تمثل العلاقات بين حركة أمل و العراق _ وبوجه الخصوص العلاقات المميزة مع القوئ و الأحزاب الشيعية الإسلامية العراقية _ أحد أوجه التفاعل السياسي والأجتماعي والثقافي بين جناحي الطائفة الشيعية في العراق و لبنان و هي علاقة متشابكة تتداخل فيها الأعتبارات المذهبية مع المصالح السياسية و الإستراتيجية وتتشابك فيها المسارات التأريخية مع التحولات الإقليمية.
و منذ تأسيس حركة أمل في عقد السبعينيات القرن الماضي وحتى ما بعد سقوط نظام البعث الصدامي العام 2003، كانت هذه العلاقة مرآة للتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة سواء في طبيعة الدولة الشيعية أو في العلاقات مع الحركات الإسلامية الشيعية بمفهوم السلطة و المرجعية .
الجذور التأريخية والروحية للعلاقة _
البعد المرجعي والديني _
ترجع العلاقة بين الشيعة في لبنان والعراق إلى عمق تأريخي يتجاوز الإطار السياسي الحديث حيث كانت النجف الأشرف منذ قرون مركزاً علمياً وروحياً رئيسياً الشيعة جبل عامل _ لبنان فقد درس فيها العشرات العلماء اللبنانيين في حوزاتها من أبرزهم و أهمهم الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين والإمام السيد موسى الصدر نفسه مؤسس حركة أمل الذي أنتمى علمياً وروحياً إلى المدرسة النجفية.
و بهذا المعنى كان العراق دائماً بمثابة الحاضنة المرجعية للحراك الديني الشيعي في لبنان وكان علماء النجف الأشرف ينظرون إلى شيعة جبل عامل _ لبنان بأعتبارهم جزءاً من الأمتداد الطبيعي لمدرسة الفقه الجعفري لا مجرد طائفة صغيرة على الجغرافية العربية.
العلاقة قبل تأسيس حركة أمل _
قبل ظهور حركة أمل كانت العلاقات بين النخب الشيعية اللبنانية والعراقية القائمة على الأسس الدينية و الثقافية و السياسية ولم تكن سياسية بالمعنى الحركي و الحزبي و لكن مع تصاعد الحراك الإسلامي في المنطقة خصوصاً بعد إنتصار الثورة الإسلامية الإيرانية العام 1979. تحولت هذه الروابط إلى شبكة علاقات ذات أبعاد سياسية وتنظيمية وضعت الشيعة اللبنانيين والعراقيين في قلب المعادلات بين المحاور الإقليمية.
رحلة التأسيس والعلاقة خلال عقد الثمانينيات
قبل العام 2003. _
العراق وحركة أمل في ظل نظام حزب البعث الصدامي
في فترة حكم البعث العراقي كانت العلاقة بين بغداد وحركة أمل معقدة وشبه مقطوعة فالنظام البعثي رغم طابعه العلماني ينظر إلى أي حركة شيعية سياسية على أنها تهديد وجودي محتمل و خاصة بعد صعود الدور الإيراني عقب الثورة الإسلامية في إيران.
وبما أن حركة أمل كانت ترتبط فكرياً وروحياً في أسرة السادة آل الصدر الكرام وخاصة الإمام
السيد موسى الصدر الذي كانت له علاقات وطيدة بإيران وفي والمرجعيات الدينية الشيعية جميعا فقد نظر إليها النظام البعث العراقي بعين الضريبة والحذر رغم أن حركة أمل في البداية لم تكن على خط عدائي مباشر مع البعث العراقي .
حركة أمل تحمي المعارضة العراقية _
في حين أعدم النظام البعث الصدامي _ المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر و أخته العلوية السيدة أمنه الصدر _ بنت الهدئ في العام 1980، أهتزت الأوساط الشيعية في لبنان و كما لو أن الدم أريق في الضاحية الجنوبية نفسها.
و في اليوم التالي لإعدامهم تحركت حركة أمل و خاضت معارك عنيفة ضد حزب البعث الصدامي لتقتحم مقرّ جريدة بيروت الناطقة بأسم نظام حزب البعث العراقي التي كانت واجهة إستخبارية ومركز نشاط لجهاز المخابرات العراقية في لبنان.
حيث كان ذلك الحدث أكثر من ردّ فعل عاطفي بل كان إعلان موقف سياسي واضح بأن دم الفيلسوف السيد محمد باقر الصدر وأخته السيدة أمنة الصدر لن يُنسى وأن حركة أمل هي حامية الشيعة أينما كانوا.
و منذ ذلك اليوم تحولت بيروت إلى ملاذٍ للمعارضين العراقيين الشيعة ومنهم شخصيات وقادة حزب الدعوة الإسلامية والمجلس الإسلامي الأعلى العراقي والخط الصدري و طلاب الحوزة العلمية المعارضين الذين وجدوا في مكاتب ومقرات حركة أمل مأوى وسنداً.
وعندما كانت أجهزة نظام حزب البعث الصدامي أنذاك تمتد بأذرعها في الخارج لملاحقة المنفيين كانت حركة أمل هي التي تسبقها بخطوة.
بل وصل الأمر إلى منع تسليم المعارضين العراقيين إلى بغداد من خلال عمليات نوعية جريئة في مطار بيروت ومراكز الأمن العراقي في لبنان التي أثبتت فيها حركة أمل أن الولاء للحق أقوى من الخوف.
و من أبرز العمليات التي قامت بها حركة أمل _
أختطاف أبو إسراء أحد عملاء الأمن العام البعث الصدامي الذي كان في طريقه لترحيل المعارضين العراقيين إلى بغداد حيث كانت نهايته الإعدام و هذه العملية لم تكن مجرد خطوة عسكرية بل التأكيد على قدرة حركة أمل على حماية المعارضين من أنظمة القمع و خاصة نظام حزب البعث الصدامي .
و بعدها ثأرت حركة أمل للمعارض العراقي البارز
الشهيد الشيخ طالب السهيل وقتلت ستة من الدبلوماسيين وهم في الحقيقة عناصر مخابرات لنظام البعث العراقي و هذه العمليات أظهرت أن حركة أمل لم تكتف بالدفاع بل إنتقلت إلى مرحلة الرد الإستراتيجي على الأنظمة التي أعتبرت شيعة العراق هدفًا ضعيفًا وقد أجبرت هذه العمليات النظام البعث العراقي لاحقًا على نقل سفارته إلى المنطقة المسيحية الأكثر أمانًا و مما يدل على تأثير حركة أمل المباشر في موازين القوى الدبلوماسية في لبنان.
دور حركة أمل في التدريب وبناء القدرات _
لم تقتصر حركة أمل على العمليات السياسية والعسكرية داخل لبنان بل لعبت دورًا حاسمًا في تدريب كوادر المعارضة العراقية بما في ذلك
فيلق بدر وحزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامي و هذا التدريب لم يكن مجرد تأهيل عسكري بل كان تكوينًا سياسيًا وعقائديًا حيث تم نقل خبرة حركة أمل في التنظيم و المقاومة وإدارة المعارك إلى العراق لتصبح هذه القوى و الأحزاب لاحقًا جزءًا من النسيج المقاوم العراقي بعد سقوط البعث الصدامي.
العلاقة مع المعارضة العراقية في المنفى _
لم تكن علاقة حركة أمل بالمعارضة العراقية وثيقة في تلك المرحلة فبينما كان الأخوة في حزب الله اللبناني متفاهمين تنظيمياً مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية ومنظمة بدر ضمن منهجية ولاية الفقيه بحيث أحتفظت حركة أمل بمسافة محسوبة ومع ذلك فإن بعض الشخصيات العراقية التي أقامت في سوريا و لبنان خلال عقد التسعينيات — تحت الرعاية السورية — كانت على تواصل مع القيادات في حركة أمل و
لا سيما في المجال الثقافي والسياسي العام دون أن تصل العلاقة إلى مستوى التحالف.
وفي يوم إستشهاد المرجع الديني آية الله العظمى الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر
ونجليه السيدين مصطفى ومؤمل الصدر في العام 1999. أعلنت حركة امل الحداد بكل لبنان و أقامت مجالس العزاء و التأبين و نددت و أستنكرت حركة أمل في هذه الجريمة الذي أرتكبها نظام حزب البعث الصدامي.
ما بعد العام 2003 — مرحلة الأنفتاح والتحالفات الجديدة _
سقوط النظام البعثي وتبدل المعادلات _
شكّل سقوط نظام البعث الصدامي العام 2003. وهي نقطة تحول جذرية في العلاقة بين الشيعة في المشرق فمع إنتقال العراق إلى حكم ذو الأغلبية الشيعية نشأ فضاء سياسي جديد مكّن الحركات الشيعية اللبنانية والعراقية من التواصل بحرية أكبر
و بالنسبة لحركة أمل بقيادة الرئيس نبيه بري حينها فتح العراق الجديد آفاقاً للتعاون السياسي والدبلوماسي خصوصاً أن القوى والأحزاب الشيعية العراقية أصبحت في موقع القرار ممثلة بأحزاب مثل المجلس الإسلامي الأعلى العراقي و منظمة بدر و
حزب الدعوة الإسلامية والتيار الصدري وغيرها.
التقارب السياسي والمصلحي _
أخذت العلاقات بين حركة أمل وتلك القوى والأحزاب الشيعية العراقية طابعاً رسمياً وواقعياً أكثر من كونه أيديولوجياً فنبيه بري بصفته رئيس مجلس النواب اللبناني و حركة أمل الذي أدار قنوات التواصل المؤسساتية مع القيادات العراقية الجديدة مدافعاً عن تثبيت الدور الشيعي المعتدل في السلطة العراقية.
و كما سعت حركة أمل إلى تأكيد فكرة أن التجربة اللبنانية في التعايش الطائفي و يمكن أن تشكل نموذجاً للعراق الجديد في ظل التحديات الطائفية التي برزت بعد الإحتلال الأميركي .
العلاقة مع المجلس الإسلامي الأعلى العراقي _
تعد حركة أمل العلاقة مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الأكثر دفئاً بسبب الخلفية المشتركة في فكرة التمثيل السياسي الشيعي الوطني مقابل الحركات الراديكالية فكما يمثل المجلس تياراً سياسياً شيعياً براغماتياً في العراق كذلك تمثل
حركة أمل هذا الإتجاه في لبنان.
وقد عُقدت لقاءات متعددة بين القيادات من الطرفين خصوصاً خلال العقد الأول بعد العام 2003، وتم تبادل الوفود البرلمانية والسياسية.
علاقة حركة أمل مع التيار الصدري _
تعد حركة أمل العلاقات مع التيار الصدري مكملا لها بزعامة السيد مقتدى الصدر وهي علاقة إحترام وتحفظ في آنٍ واحد فبينما ترى حركة أمل في تراث وخط ومنهج السادة آل الصدر الكرام وخاصة مرجعيات السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد محمد صادق الصدر أمتداداً فكرياً وروحيا وسياسيا من خط ومنهج الإمام السيد موسى الصدر إلا أنها تنظر إلى التيار الصدري بوصفه مقاومة و حالة أحتجاجية شعبية تتجاوز الإطار المؤسسي التقليدي الذي تميل إليه حركة أمل.
ولكن في الوقت ذاته فإن الرئيس نبيه بري أبدى في أكثر من مناسبة تفهماً للتيار الصدري و أعتبره صوت الشارع الشيعي المقاوم الحر داعياً إلى أحتوائه ضمن العملية السياسية العراقية.
حركة أمل والعراق بين الدور الإيراني والتوازنات الإقليمية _
رغم قرب حركة أمل من محور المقاومة في الإقليم فإنها حرصت على الحفاظ على أستقلالية قرارها السياسي بخلاف الأحزاب و القوئ الشيعية الأخرئ وقد أنعكس هذا أيضاً على تعاملها مع العراق حيث حاولت حركة أمل أن تقدم نفسها كجسر بين الشيعة العرب في المقابل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بغداد و من هنا يمكن القول إن حركة أمل سعت إلى توحيد وتقريب القوى والأحزاب الشيعية السياسية في البيت الشيعي.
التعاون الأمني البرلماني _
شهدت مرحلة ما بعد العام 2010. تنامياً للتنسيق البرلماني والأمني بين لبنان والعراق وكان لرئيس نبيه بري دور واضح في ذلك عبر مجلس إتحاد البرلمانات العربية ومبادرات الوساطة بين الكتل الشيعية والسنية العراقية و كما زار وفود من
حركة أمل العاصمة بغداد والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة في سياق توثيق العلاقة الروحية والسياسية.
المشهد بعد العام 2014 – من الحرب على الإرهاب إلى إعادة تموضع النفوذ _
و مع صعود تنظيم داعش الإرهابي وتفاقم الأنقسام الطائفي تحركت حركة أمل ضمن خطاب التضامن مع العراق في مواجهة الإرهاب معتبرة أن ما يجري هناك هو عدوان على كل المكونات الوطنية و قد قدمت حركة أمل نفسها كطرف داعم للوحدة الوطنية العراقية لا كطرف مذهبي وفي الوقت نفسه ساهمت في تعزيز التعاون مع الحشد الشعبي من خلال سياقات القنوات السياسية .
بين الولاء الروحي والبراغماتية السياسية _
إن العلاقات بين حركة أمل والعراق وخصوصاً مع الأحزاب الشيعية الإسلامية يمكن تلخيصها بعدة مراحل رئيسية _
- مرحلة الداعم والحماية قبل العام 2003، في ظل حكم البعث العراقي و المحور السوري _الإيراني المتوتر.
- مرحلة الأنفتاح والتقارب السياسي بعد العام 2003، مع بروز الشيعة كقوة حاكمة في العراق.
- مرحلة التوازن والوساطة بعد العام 2010، حيث باتت حركة أمل تتعامل مع العراق من منطلق المصلحة القومية اللبنانية والبعد العربي والإسلامي للشيعة.
و في جوهرها تمثل حركة أمل نموذجاً للشيعية السياسية العربية و الإسلامية التي تسعى إلى التوفيق بين الإنتماء المذهبي والهوية الوطنية و أما في العراق فقد وجدت القوى والأحزاب الشيعية في هذه التجربة مثالاً على إمكانية دمج الهوية الدينية في نظام سياسي تعددي دون السقوط في الفئوية أو الدور الخارجي.
محمد المشهداني _




