مرجعية النجف الأشرف _ ضمان العراق”- محمد المشهداني

“
نكتب في أختصار عن دور النجف الأشرف.
أن المرجعية الدينية في النجف الأشرف تُعد من أقدم وأهم المراجع الإسلامية و الشيعية في العالم، ولها دور كبير في توجيه المجتمع الشيعي داخل العراق وخارجه، بل وفي التأثير على المشهد السياسي والأجتماعي في المنطقة.
و يروئ أن في فترة الأستعمار البريطاني للعراق وقبل نيل البلاد إستقلالها وصل ضابط بريطاني حديث إلى بغداد وبينما كان يتجول في المدينة سمع صوت الأذن يعلو من المآذن بعدها توقف وسمع ذلك الصوت الغير المألوف وفي النسبة له وظنه نداء للتعبئة و ربما صيحة أحتجاج ضد الوجود البريطاني في العراق وبعدها بادر في السؤال عن طبيعة ذلك الصوت فأجيب بأنه صوت الأذن.
إنه نداء المسلمون للصلاة وهو يرفع عند حلول وقتها فتساءل هل يمكن أن يؤثر علينا سلبا فقيل له مجرد طقس ديني بعدها قال فليؤذن هؤلاء كل ساعة لا بأس في ذلك ولم يخطر في بالك ذلك الضابط البريطاني أن تلك المساجد و المراكز الدينية سوف تصبح يوما ما منطلقا لثورة شعبية كبيرا جدا ضد الوجود البريطاني كقوة إحتلال ولم يكن يدرك أن علماء الدين ومنهم علماء الحوزة الدينية في
النجف الأشرف سيتصدون مشهد المقاومة معلنين الجهاد ضد الإحتلال البريطاني و مشعلين ثورة العشرين في العام 1920. حيث تلك الثورة التي أصبحت فيما بعد رمزا الكرامة والوطنية والإرادة الشعبية منذ إستقلال العراق في ظل الشعور في التهميش السياسي الذي يلزم القوى و الأحزاب السياسية الشيعية نتيجة لعدم حصولها على تمثيل حقيقي في مؤسسات الدولة رغم كون الطائفة الشيعية تشكل الأغلبية السكانية في العراق وهذا الإحساس في المظلومية التأريخية لم يكن مجرد شعور عابر بل أصبح عنصرا أساسي فاعلا في تشكيل العقل السياسي الشيعي في العراق.
وكيف أنعكس هذا الشعور على سلوك الأحزاب والقوى السياسية الشيعية لأحقا وهل أدئ إلى تحولها إلى قوة سياسية أسهمت في تعميق الأزمات في البلاد.
وأن تأريخ العراق الحديث في تمثل المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة تفكير العقل السياسي الشيعي ولا تماط سلوك القوى والأحزاب الشيعية في أوقات التحدي والمواجهة وفي لحظات التحول الكبير تعرف معادن الرجال والجماعات السياسية إذ لا تختبر المواقف إلا حين تتغير الموازين ويشتد وقع الأحداث الأولى نقاط التحولات الكبرى حيث كانت
ثورة العشرين ١٩٢٠. وقد لعب فيها الشيعة دورا محوريا في إشعالها ضد الإحتلال البريطاني ومن أهم الرموز في تلك الحقبة وهو
المرجع الديني الأعلى الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي أصدر فتوى تصريحية في وجوب مقاومة الإحتلال البريطاني في البلاد ولم تكن تقتصر رؤية الميرزا الشيرازي على مقاومة الإحتلال الإنكليزي فقط و بل دعا أيضا إلى إقامة دولة عربية مستقلة على أرض العراق و تعبر عن إرادة شيعية وشعبية تنهي الهيمنة البريطانية على قرار العراق السياسي وحيث أنطلقت ثورة 1920. في العراق وخاصة في المدن الشيعية وفي الفرات الأوسط وقد شارك في هذه الثورة زعماء ووجهاء وشيوخ العشائر ومثقفون ورجال الدين الشيعة الذين ساهموا في صياغة الوعي الوطني العراقي حيث كانوا من الأوائل المطالبين في تأسيس الدولة العراقية في العام 1921.. و أن الشيعة الذين تبنوا خيار الثورة تعاونوا مع كامل المكونات والقوميات والطوائف العراقية التي شاركت في هذه الثورة ضد الإحتلال البريطاني مع الأخوة السنة و الأكراد وغيرهم.
وفي عقد الستينيات _ القرن العشرين. خاصة كانت نقطة التحول الثانية عندما وصل حزب البعث إلى سدة الحكم في العراق في العام 1968. وبعد الإنقلابات التي مرت في البلاد منذ الإنقلاب على العهد الملكي الهاشمي في العام 1958. و الإنقلاب على حكم الشيوعيين وعلئ راسهم الزعيم عبد الكريم قاسم في العام 1963.
وخاصة مرحلة حزب البعث الثانية عندما وصل صدام حسين للسلطة في العام 1979.
بدأ نظام حزب البعث الصدامي منذ أيامه الأولى في إتباع السياسات القمعية الممنهجة إتجاه مكونات الشعب العراقي وخاصة الشيعة.
و أتخذت هذه الممارسات السياسية عدة أشكاليات شملت الإقصاء السياسي و تهميش المرجعيات الدينية والتضيق عليها وعلى الحريات الشخصية والعامة وصولا إلى جملة الأعتقالات الكبيرة والنفي والأغتيال والأعدامات الجماعية في مواجهة هذا الواقع لعب الشيعة دورا مهما في مقاومة نظام حزب البعث العراقي وقدموا تضحيات كبيرة جدا في سبيل ما جعلهم طرفا مركزيا في مشهد المعارضة السياسية في العراق.
و خلال تلك المرحلة من الطبيعي أن يكون الشيعة قد دفعوا ثمنا باهظا نتيجة معارضتهم لنظام البعث الصدامي وحيث تعرض مئات الآلاف منهم للقتل والسجن و الأعدام على مدار أعوام حكمه وقد بلغت ذروة المواجهة خلال الإنتفاضة الشعبانية في العام 1991. التي بدأت عقب أنسحاب الجيش العراقي من الكويت والذي واجهها نظام حزب البعث العراقي بالقوة القمعية وتشير المصادر المتنوعة إلى عدد الذين سقطوا في تلك الأحداث مابين 500 _ 1000 ألف ضحية. وهي واحدة من أكثر الفصول الدموية في تأريخ العراق الحديث الذي أرتكبها نظام حزب البعث الصدامي.
وكذلك يسجل القوئ السياسية الشيعية جهادها ونضالها من أجل إقامة نظام سياسي ديمقراطي يستند على الحرية و العدالة بدلا من الحروب وسفك الدماء بغير حق. ومع سقوط نظام البعث العراقي في العام 2003. و دخول الإحتلال الأميركي للعراق. دخلت البلاد في مرحلة جديدة من تأريخها السياسي حيث إتسمت بعدة تحديات كبيرة تمس جوهرية الإستقلال والسيادة وتهدد نسيجة الوطني حيث برزت في الأفق مخاطر حقيقية من أهمها الأنقسامات الطائفية والقومية وأشتداد التوتر بين السنة و الشيعة وتصاعد خطر الجماعات المتطرفة و الإرهاب مثل تنظيم القاعدة و داعش الإرهابي و المخاوف من التقسيم و الأنزلاق نحو الحرب الأهلية في خضم هذه الصورة المعقدة.
وهنا نأتي لدور موقف القوى و الأحزاب السياسية الشيعية في هذه التحولات و بالرغم من تعدد الأتجاهات و الأنتماءات السياسية داخل الوسط الشيعي في البلاد.
وأن العقل الجمعي و الوجدان العام لهذه القوى الشيعية التي تجد تعبيره الواضح في مرجعية النجف الأشرف وتحديدا في المرجعية الدينية العليا المتمثلة في المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني _ وقد تختلف الأراء حول أداء وسلوك ورؤية القوى والأحزاب السياسية الشيعية في العراق. ونرئ الأحزاب والقوى العراقية وخاصة الشيعية و الأجماع السياسي العراقي من خلال عقلها الأعلى وهي مرجعية النجف الأشرف.
وفي العام 2006. تعرض مرقد الإمامين العسكرين في سامراء المقدسة لتفجير إرهابي كبير جدا و دمر جزء كبيرا من المرقد الشريف وبعدها توجهت الأتهامات أنذاك نحو الجماعات الإرهابية التكفيرية ومع تصاعد الغضب الشيعي وتصدع الوحدة الوطنية في البلاد جاء بعدها موقف مرجعية النجف الأشرف العليا المتمثلة في السيد علي الحسيني السيستاني ليشكل فارقا لأفتا من حيث دعا أنذاك إلى ضبط النفس و تجنب الأنجرار نحو أي فتنة داخلية طائفية.
وكان للمرجعية الدينية دورا محوري في الحيلولة دون الدخول في العراق نحو نفق الحرب الأهلية و الدمار الطائفي و لأسيما في الأوقات الحرية و قد أصدرت الفتاوى التي تدعو إلى التهدئة وضبط النفس وشددت مرارا على أن الحكم يجب أن يبني على أساس الأغلبية السياسية للأنتماءات الطائفية وقد تشكلت هذه الرؤية أساسا مهما لتأسيس نظام ديمقراطي رغم هشاشته و كذلك أسهمت في تعزيز فرض التعايش السلمي و الأستقرار في بلاد تواجه التحديات الكبيرة وحالة المصير.
وفي العام 2014. ومع إجتياح تنظيم داعش الإرهابي الأراضي العراقية وسقوط محافظة الموصل أصدرت المرجعية الدينية في النجف الأشرف فتواها الشهيرة
فتوئ الجهاد الكفائي في وجوب التصدي لداعش الإرهابي والدفاع عن العراق وشعبه ووحدته و محذرة من مخاطر المشاريع التقسيم و التمزق.
وفي يوم 7 أكتوبر _ تشرين الأول _ العام 2023. ومع إندلاع عملية طوفان الأقصى في قطاع غزة بقيادة حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي و الفصائل الفلسطينية.
أبدت المرجعية الدينية في النجف الأشرف وكذلك القوى والأحزاب السياسية في العراق وخاصة الشيعية تضامنا كبيرا مع الشعب الفلسطيني مدفوعة في العمق التأريخي العربي والإسلامي من حيث تعتبر القضية الفلسطينية جزء من هويتها الدينية والثقافية ولم يكن هذا الدعم يقتصر الموقف الشعبي بل كانت مرجعية النجف الأشرف بقيادة المرجع الديني الأعلى سماحة السيد علي الحسيني السيستاني في طليعة المواقف الداعمة والمؤيدة والتي تدعو إلى نصرة الشعب الفلسطيني بكل الطرق والوسائل المتاحة.
وفي المحصلة يمكن القول أن القوى الشيعية و مرجعية النجف الأشرف كانت فاعلا في مسيرة بناء الدولة العراقية عبر خطاب يرسم مفاهيم الإستقلال الوطني و الوحدة الإسلامية والأولوية الحوار لبناء العراق و التماسك وهذا ماهو يعبر في جوهرة عن العقل الشيعي العراقي حين يتعلق الأمر في القضايا المصيرية الكبيرة أمام تفاصيل الساحة السياسية الداخلية والخارجية بما تحمله من المداخلات والتعقيدات.
وخاصة في الدعوة للإصلاح
حيث أن المرجعية في النجف الأشرف تدعو في أستمرار إلى محاربة الفساد واحترام إرادة الشعب، وتؤكد على سلمية التظاهر وحق المواطن في المحاسبة.
ونقول أن المرجعية الدينية في النجف الأشرف هي كلمة الفصل في العراق والعالم العربي والإسلامي.
محمد المشهداني _




