أطروحة السيادة اللبنانية والوصايات المتعاقبةأ.د.فرح موسى

أ.د.فرح موسى:رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات
يبدو أن شعبنا والكثير من مسؤوليه،لم يمل من تكرار مقولة السيادة الوطنية،والسؤال عنها في كل احتفال ومقابلة!،حتى أنها تحوّلت إلى ما يشبه الدّرة الثمينة التي يبحث عنها في كل مكان!رغم أنها موجودة في متناول الجميع في لبنان وخارجه!فهذه السيادة إن كان يقصد بها تحرير الأرض،وإلغاء الوصاية،وحماية الأرض والسماء،على قاعدة أن السيادة كلٌ وطني لا يتجزأ، فإن أحدًا لا يختلف مع الآخر على هذا التعريف،لكون السيادة هي جوهر وجود الدول،ومسوّغ إقامتها،حتى أن الفلاسفة حينما تحدثوا عن الدول والحكومات الفاضلة،قدّموا رؤية استقلالية لحقيقة قيامة الدولة تُعنى بفلسفة وجود الإنسان من حيث هو إنسان حر ومستقل في خياراته،وفي التعبير عن وجوده،هذا فضلًا عن ما اشترطوه من صلاح للحاكم يؤهله لأن يكون قادرًا بخصائصه ومواصفاته لتأدية الوظيفة الإصلاحية المنوطة به؛فإذا كان السؤال اليوم عن السيادة اللبنانية،وعن كيفية تحققها في أجواء الترهل الوطني، فإن ذلك يقتضي من كل مسؤول الإجابة عن سؤال،هل كانت هذه السيادة موجودة فعلًا حتى نشعر بفقدها؟فأين كانت هذه السيادة،واللبناني منذ تأسيس وطنه لم ير إلا الوصايات تتحكم به من كل جانب؟وهل كان تحرير الأرض وجهاد الأعداء من خارج هذه السيادة،أم من داخلها؟؟؟ هناك جملة من الأسئلة تطرح على كل من يسأل أين السيادة؟ فالوطن حينما يكون عرضةً لكل تجاذب لا يمكن السؤال عن سيادته،ذلك أنه من طبيعة الوصاية،أي وصاية خارجية، الحد من السيادة،والانتقاص منها،سواء في الجو،أو في البحر،أو في البر،فيوم كانت الوصاية أمريكية سورية سعودية،وإن كان المسمى لها في حينه،أنها وصاية (سين،سين)،لم نسمع من أحد سؤال الوصاية،بل كان الجميع منسجمًا معها إلى حد التشبّه بها،وهي في الأصل كانت وستبقى أمريكية،سواء في الاقتصاد،أو في السياسة،أو في التمويل لكثير من الأجهزة والمؤسسات،فهذا كله كان يتم تحت عنوان السيادة المنقوصة،والتي ألفها اللبنانيون واعتادوا عليها لدرجة أن يطلبوها إن غابت عن أنظارهم قليلًا،لعلمهم بأنها تشكّل باطن كل شيء في حياتهم!وحينما حصل الانهيار الاقتصادي سأل الجميع عن أمريكا وعن التمويل العربي،!فالسيادة أيها السائلون لم نعهدها إلا منقوصة،سواء في داخل الدولة،أو على حدودها!فلا يسأل اليوم عن السيادة،وعن ما تقوم به الحكومة،لأننا لم نسأل عنها حين كان كل شيء مأخوذ بجلباب الطائفية والمذهبية والحزبية المقيته!فالكل كان شريكًا في امتهان السيادة،وغير مريد لها إلا في حدود ما تعنيه من مؤسسات حامية للمصالح،ومؤمنة للمنافع الخاصة لمن كان يقوم بها!؟فيا ليتنا نكف عن سؤال السيادة بعد كل ما تسبّب به السياديون من بلاءات للشعب اللبناني،وخصوصًا في ما تعرض له من نهب ولصوصية في سرقة أمواله بالتعاون والشراكة مع كل الوصايات العربية والأجنبية!
إن السياسة تفترض على مَن يتحمّل المسؤولية،أن يكون واعيًا بكل ما أقدم عليه من أعمال وخطوات في طريق الوصاية لضرب السيادة! ومَن كانت هذه حاله من الطبيعي أن يكون ضعيقًا في لحظة العدوان واحتلال الأرض!فالسياديون اعتادوا على أن تكون البلاد منقسمة السيادة،بين مَن يرى في العدو حليفًا،وبين مَن في العدو خطرًا وجوديًا على لبنان وكل المنطقة العربية! ولهذا نرى في تكرار السؤال عن السيادة،وماذا تفعل الحكومة؟ولماذا لا تشكّل لجان،وتشكو إلى مجلس الأمن؟نرى في هذا كله سؤالًا عن مجهول، لكون السائل يعي من نفسه،أنه لم يكن يسأل عن ذلك سابقًا،بل كان شريكًا في ترهل السيادة،ومستقلًا في مقاومة العدو على نحو ما جرى طيلة عقود من الزمن.وبما أن الوصاية الأمريكية متجذّرة في الوطن اللبناني،فكيف يكون لأي حكومة قدرة اتخاذ القرارات،باعتبار أن كل شيء محكوم لهذه الوصاية،ولها قدرة الإملاء بما يتيح لها فرض ما تشاء،كما فعلت في الخامس من آب،وفي السابع منه!إن سيادة لبنان لا تعني أكثر من النظر في إملاءات الخارج،وقد جاء العدوان الصهيوني الأخير،ليعزز من فرص امتهان السيادة بموافقة الجميع تحت عنوان عدم تبادل الخروق،!!!فهذا يؤكد لنا عدم قدرة المسؤول اللبناني على فرض ما يراه لنفسه من حق سيادي،وقد رأينا كيف كانت تصريحات المسؤولين تنسجم تمامًا مع الرغبات الخارجية،لفرض خيارات معينة على الداخل من خلال التهديد والوعيد! فلنكف عن سؤال السيادة،طالما أننا عهدنا غيابها طيلة عقود من الزمن دون أن نسأل عنها!فإذا كانت حكومة اليوم تنام على اللدم،فإن حكومة الغد لن تبلغ بنا حد السيادة والتحرير،إلا أن يصبح الزمان غير الزمان،ولبنان أعجوبة الدهر في تغيّر الأحوال!والسلام.




