أمريكا وجه لبنان الناصع – أ. د. فرح موسى

أ.د.فرح موسى:رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية.
يسأل بعض السياسيين،ما الذي يمنعنا أن نكون لبنانيين بالشكل فقط؟وهذا البعض يستدرك ما فاته طيلة سنوات في الحكم،إذ هو كان يعاني من أمركته الباطنية،ولكن جاءت الورقة الأمريكية الفاضحة لتكشف كل مستور!وقد يكون من المناسب التذكير بالحقيقة الأمريكية الحاكمة في لبنان منذ تأسيس الوطن اللبناني!فهذا الوطن الطائفي بامتياز مرت عليه وصايات كثيرة كانت دائمًا محكومة للوصاية الأمريكية،ولم يكن يسمح لأحد بالتحول اتجاه الدولة المدنية،أو ممارسة الحق الديمقراطي وفق النماذج الغربية في الحكم!فأمريكا،كما قلنا،لها هذا النفوذ الواسع في الواقع اللبناني بكل طوائفه،فهي نافذة في الاقتصاد،كما في السياسة،والكل يتناغم مع مصالحها،ولا يتذكر اللبنانيون شيئًا عن سيادتهم،أو حرية قراراتهم!ولا بأس أن يكون الأمر كذلك،طالما أن دول العالم كله تتحسب لهذا الدور الأمريكي وتخشى العقوبات،!!!فمن يكون اللبناني حتى تكون له استقلالية الموقف والقرار!؟فالقول كونوا لبنانيين بالظاهر،ليس بالقول الذي يمكن التوقف عنده،لأن أمريكا عازمة بعد حروب الشرق الأوسط الأخيرة،ومنذ طوفان الأقصى على تظهير الكيان الصهيوني كدولة عظمى في المنطقة،فلم يعد مفيدًا لكل من هو خاضع للسطوة الأمريكية،أن يتلاعب بمواقفه،أو التلون بها لمصلحة شعبية،أو انتخابية!فعلى الجميع المبايعة والتسليم وفق ما تراه أمريكا من مصلحة!وإذا كان لأمريكا كل هذا النصوع في واقعنا اللبناني،فقد جاء الوقت المناسب لإعلان الولاء،وإظهار الطاعة!وهذا ما لا ينبغي التنكر له من أهل الحكم في لبنان،لأنهم يعلمون جيدًا أن أمريكا تمسك بمفاصل هذا البلد،فهي حين أرادت أن يكون لبنان بلد المصارف الأول في العالم العربي كان له ذلك!!وأرادت اتفاق الطائف وكل ما توافق عليه اللبنانيون في الخارج،كانت الموافقة الأمريكية هي الأساس في كل ما تم بناؤه من توافقات سياسية!ومن من اللبنانيين يجهل معنى أن تكون الرئاسة والحكومة وكل تعيينات الدولة ملحوظة أمريكيًا؟وهنا نسأل،أليس التدمير الاقتصادي للبنان من فعل أمريكي؟ وماذا حلّ بالمصارف اللبنانية؟وكيف هرّبت الأموال إلى الخارج؟فأمريكا لا تغادر صغيرة ولا كبيرة في لبنان!وقد جاء وقت أن يتحوّل لبنان من ظاهره الأمريكي إلى الباطن،بحيث يكون كل شيء مكشوفًا وعلى الطاولة،كما جرى في الاجتماع الأخير للحكومة اللبنانية في الخامس والسابع من شهر آب!وعلى مَن لم يكن أمريكيًا طيلة العقود السابقة،أن يُظهر نفسه،سواء في الاقتصاد،أو في السياسة،أو في الأمن القومي للبلاد!دعونا من الأكاذيب والترهات الوطنية والدينية التي تتظهّر من حين لآخر،فهي مجرد فقاعات في الخليط الأمريكي،وإذا كان البعض يرى في المقاومة بعدًا مستقلًا في السياسة اللبنانية فعلى هؤلاء مصارحة الناس،لجهة ما كانوا يتماهون معه من سياسة أمريكية،لأن الجميع في لبنان دخل في دوائر المحاصصة،واختار أن يكون له حصته في المال والسلطة،ولم ينج أحد من السطوة الأمريكية .فالكل كان على موعد مع ما ترتّب له من مصالح،وبقيت المقاومة العسكرية للاحتلال تتعايش مع هذا الواقع اللبناني حتى جاء الدور لها في الحرب الآخيرة،ولعل ما جرى شكّل صدمةً لأهل السياسة والمحاصصة!وأخذ بهم إلى وقع ما كانوا عليه من ترهّل سياسي!فحين نقول:إن أمريكا هي الوجه الناصع للبنان،فلا نكون مجانبين للحقيقة،بل هو عينها،لأن السياسة اللبنانية التي مارسها أهل الحكم،كانت دائمًا تستجيب لظروف وشروط المصلحة الأمريكية،فلا ينبغي لأحد المكابرة،أو التصلب في أوداجه،حين يقال:إن الجميع تماهوا مع المصلحة الأمريكية،دون أن تكون لهم أدنى ردات الفعل،فأهل الحكم جميعًا لم يكونوا بعيدين عن الانهيار الاقتصادي،ولا كان لهم أدنى هم في بعث التنمية في القطاعات اللبنانية،حتى أن طريقًا حيويًا باتجاه البقاع اللبناني لم يتمكنوا من اتخاذ قرار بشأنه رغم قوة المتنفذين !
إن ما انتهت إليه الحكومة في قرارها الأخير لا يمكن فصله عن ترسبات الواقع،وتحولاته الأمريكية!وقد نرى من أهل السياسة مَن يتنكر لهذه الحقيقة،فنقول:ليس المهم التنكر للحقائق،بقدر ما هو مطلوب الإجابة عن ممارسات السياسات السابقة لكل أهل الحكم،فأمريكا تعرفكم جيدًا،وهي تعي تمامًا مدى ما وصل إليه هذا البلد من ترهّل اقتصادي وسياسي وعسكري،!فاختارت لورقتها أن تكون ظاهرة للعيان،ومأخوذ بها على رؤوس الأشهاد دون مواربة،أو استهجان،وقد رأينا الذين اعترضوا كيف كانت الطيور تأكل من رؤوسهم حين بادروا إلى التلوين في الكلام!؟فيا لها من أعجوبة في المكر السياسي،حيث نرى أن كل شيء قد استوى على الجودي الأمريكي،ليكون لبنان أمام فرصة التطبيع مع العدو،!!وأهل المقاومة يعلمون،أنهم لو كانوا اختاروا منهجًا مختلفًا في عملهم السياسي لما كانوا وصلوا إلى هذه الدركية السياسية والاقتصادية،وهذا ما كان له أكبر الأثر على المقاومة في جانبها العسكري.إن ما نعايشه اليوم من أحداث،هو نتيجة طبيعية لأمركة البلد منذ عقود من الزمن،فالكل كان ينتظر حصته من النظام الطائفي،ساهين عن حقيقة أن أمريكا قد تلبّست لهم بهذا النظام،ليكونوا وقودًا له في قادم الأيام،وقد جاءت أيام السوء على اللبنانيين بعد أن افتقدوا لكل أرصدة الحياة في الدين والسياسة،وفي كل شأن من شؤونهم،فإذا بهم اليوم يقفون أمام معضلة التطبيع،أو الموت،فلو أن مراجعةً حصلت ممن كانت لديه خبرة وتجارب الحياة،لما كان آل الوضع اللبناني إلى هذا السوء الأمريكي.والسلام.تاريخ:١٢/٨/٢٥




