كوبا فراشة الكاريبي الحائرة (1) – عبدالرحمن محمود المحمود * – الدوحة

عبدالرحمن محمود المحمود *- الدوحة
كان هذا هو العنوان الأصلي لكتابي عن كوبا ، والذي صدر في عام 1997 بعنوان :{ كوبا فراشة الكاريبي الحالمة } والذي لا زال يُطبع طبعات مسروقة لا اعلم عنها شيئا، ولازال يوزع رغم مرور ثلاثين عاما إلا سنة على صدوره ، ولا اعرف ان كان هو الأول عن كوبا بالعربية ، لكن الذي اعرفه جيداً انه هو المرجع الوحيد المفصل عن كوبا منذ أول يوم وصل اليها كولومبس وحتى سنة الطبع ، قبل هطول المعلومات من الفضاء الافتراضي.
أما سبب تغيير العنوان ، فهو نصيحة من صديق دبلوماسي كوبي يتحدث اللغة العربية بطلاقة يحسدها عليه الكثير من العرب! . اختياري لكلمة “حائرة” هو الوضع الذي وجد فيه زعيم كوبا الأسطوري في ذلك الوقت الراحل “فيديل كاسترو” بعد انهيار اكبر داعم لكوبا وهو الاتحاد السوفييتي، وانقطاع الدعم ، وتشتت الرفاق ، وحيرة الحكومة الكوبية فيما آلت اليه الظروف . فهم الصديق الكوبي المغزى، واعترض عليه قائلا: كوبا ليست حائرة ، وتعرف ما تريد ، قلت له: الحيرة من طبع الفراشات ، قال: لكن المقصود هو كوبا وليس الفراشات! وحسماً للجدل اتفقنا على كلمة الحالمة بدلاً من الحائرة ، وكل ما في كوبا هو رومانسي وحالم ، فحتى ثورتها كانت حالمة ورومانسية .
زرت كوبا لأول مرة في عام 1994 – إذا لم تخني الذاكرة – وكتبت عنها استطلاعات مصورة نُشرت في الصحافة المحلية والخليجية ، جمعتها ونقحتها واضفت اليها ونشرتها في كتاب بعد ذلك صدر في عام 1997 كما تقدم. ثم غبت عنها أكثر من عقد من الزمن قضيته في أوكرانيا ( وتلك تجربة إنسانية عميقة أخرى ) ، وكتبت عن تجربتي الثانية في كوبا بعد أن تقدم بي العمر ، وأعادني الشوق اليها والى رومانسيتها الثورية التي تآكلت بسبب المصاعب الاقتصادية والجمود السياسي والاقتصادي، وشظف العيش عند شعبها ، كتاب بعنوان { عودة الشيخ إلى صباه – خواطر وذكريات من كوبا} ، وأصبحت الآن شبه مُقيم فيها بعد أن منحتني حكومتها إقامة دائمة، أُعاني ما يعانيه شعبها من مصاعب في شتى المجالات .
أما عودتي الآن للكتابة عنها ، فهو التصريح الكارثي الذي أدلى به ” الحوت البرتقالي” حيث قال في التاسع والعشرين من يناير 2026 : ” ان كوبا لن تكون قادرة على الاستمرار ، وأن كوبا عاشت سنوات طويلة على كميات من النفط والأموال من فنزويلا ، وفي المقابل قدمت خدمات أمنية لآخر ديكتاتوريين فنزويليين ، ولكن ليس بعد الآن ” ، كما هدد بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول التي تبيع النفط لكوبا . وقال في مقام آخر – ومقاماته لا تُعد ولا تُحصى – ” أقترح بشدة أن يعقدوا صفقة قبل فوات الأوان ” ، وقال أيضاً:” ان كوبا تمثل تهديداً استثنائياً للأمن القومي الأمريكي! ” ( كوبا التي اعرفها حق المعرفة لا تهدد دجاجة عابرة لطريق من طرقات قرية نائية من الجزيرة الكوبية ) . والصفقة التي يُريدها ترامب هي بالضبط على مقاييس صفقته المقدمة للحكومة الإيرانية، والتي كما علمناها تغيير نظام الحكم ، وإقامة نظام حكم موالٍ للولايات المتحدة الأمريكية ووكيلها في المنطقة ، والاستيلاء على ثروات البلد ، وجعلها خندقاً متقدماً للحرب شبه المُعلنة على الصين! .
من يدفع الثمن الآن في كوبا هو الشعب الصامد الصابر أكثر من ست عقود من الحصار الأمريكي الجائر ، فقد ازدادت معاناة الشعب الكوبي من الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي حتى عن المستشفيات ولمدد طويلة بسبب نقص الوقود المُشغل لمحطات الطاقة ، ونقص المواد الغذائية والدواء وجميع السلع الضرورية وللحديث صِلة.
- مدير مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي، كييف – أوكرانيا ( موقوف مؤقتاً)



