شؤون لبنانية

تجربة القوات اللبنانية تؤكد عجز إسرائيل وامريكا على انهاء حزب الله- بقلم : ناجي علي امهز- بيروت

بقلم : ناجي علي امهز- بيروت
دعونا نتحدث بواقعية غير متناهية بعيداً عن الأمنيات والأحلام والأفكار التي أحياناً يتصورها المرء أنه قادر على صناعتها، بينما يتبين أن الزمن والظروف ومسير الحياة أقوى من أقوى إنسان أوجده الله على هذه الدنيا.
أستطيع أن أخبركم مجلدات عن تجربتي الشخصية مع وحشية السوريين بسبب انتمائي العوني منذ البدايات، وكيف عانيت وواجهت. لكن لا أريد أن أخوض بما قمت به وفعلته. ولولا بعض الأصدقاء والقيادات مثل اللواء عصام أبو جمرة وحتى اللواء إدغار المعلوف، حيث ما إن يجتمعا في باريس إلا وكانت تحياتهم تصل لي، لكنت ربما خرجت عن طوري.

عندما أتذكر أحد الأصدقاء الكبار جداً جداً في لبنان والعالم، وهو كان أحد أحجار الزاوية في باريس لاستمرار الحالة العونية حتى عام 2003، عندما أخبرني مرة أن المسافة من بيته إلى مكان إقامة الجنرال عون في منفاه تتجاوز الـ 300 كلم، وكان تقريباً يقطع هذه المسافة أسبوعياً ثلاث مرات ليقدم خدماته السياسية الكبرى للجنرال عون… أقول في نفسي إن ما حصل معي وكثيرين غيري أصبح من الماضي. ويكفي أن أخبركم أن هذا البروفيسور كان عقل الرئيس بشير الجميل الدبلوماسي، وعندما أعلن الجنرال عون شعار تحرير لبنان وقف معه ودعمه.

لذلك ستكون مقاربتي عن القوات اللبنانية لأن التجربة متقاربة جداً وقد عشتها عن قرب، إن كان في الحرب وبعد عام 1994، ويمكن من خلالها الاستنتاج والاستدلال بأنه لا يمكن لإسرائيل وخلفها أمريكا إنهاء حالة حزب الله في لبنان.

لا أحد ينكر أن القوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع كانت بقدراتها أكبر من الدولة اللبنانية مجتمعة، كما كان يحيط بالقوات على مستوى القيادات نخب سياسية وعلاقات دولية مؤثرة جداً وفاعلة، بسبب تقاطع المصالح. حقيقة أن القوات اللبنانية كانت قد وصلت إلى أروقة صناعة القرار بأمريكا كما فرنسا، إضافة إلى دعم وحراك من الفاتيكان من أجل تعزيز موقعها وتخفيف الضغوط عنها، وتأمين أكبر احتضان لها في دول الاغتراب.

إلا أن كل هذا الحراك والدعم، إضافة إلى تدخل إسرائيل من أجل تعزيزه بثقلها عبر لوبياتها وبطلب من جيش لبنان الجنوبي، بالختام لم تصمد القوات اللبنانية أمام القرار الأمريكي الذي أعطى الضوء للسوريين بالقضاء على الوجود المسيحي في لبنان.

“وهنا يجب أن نصحح مفهوماً خاطئاً: أمريكا لم تواجه الدكتور جعجع لأنه كان معزولاً مسيحياً، بل على العكس تماماً، واجهته لأن خلفه آلاف المسيحيين المستعدين لحمل الصليب لأجله. لقد رأيت هذا التأييد بأم عيني، وأذكر أكثر من مرة أن مثلث الرحمة البطريرك صفير كانت تدمع عيناه عند ذكر “الحكيم”.

هذا يكشف لنا عن استراتيجية أمريكية ثابتة: أمريكا لا تريد زعماء أقوياء لهم تمثيلهم وشعبيتهم الوطنية، تماماً كما لا تريد أن يكون الشيعة صفاً واحداً. ما تريده أمريكا، على أقل تقدير، هو أن يبقى لبنان مقسماً، وشعبه منقسماً، وطوائفه مقسومة في داخلها وعلى بعضها البعض.

من هذا الفهم العميق لما يُراد بوطننا، تنطلق مواقفي. فكما رفعتُ المناشدات إلى منظمة العفو الدولية ودافعتُ عنه وعن العونيين في الماضي، أدافع اليوم عن طائفتي الشيعية من خلال علاقاتي الداخلية والخارجية، لانني أعتبر نفسي أدافع عن كل لبنان، لعلمي بما يريده النظام العالمي من لبنان العظيم بشعبه وتعايشه الذي هو نقيضا لاسرائيل.”

وأكثر من عبر عن مأساة القوات اللبنانية التي عاشوها بعد القرار الأمريكي هو الدكتور سمير جعجع نفسه، عندما قال لأول مرة موجهاً كلامه إلى الشيعة: “لا نقبل أن يُصيبكم ما أصابنا بعد أن سلّمنا سلاحنا”. حقيقةً، الذي يعرف ما يقصد الدكتور جعجع بهذه العبارة لأدرك عن وجع لن ينتهي أو يموت من شدة ما تعرضت له القوات اللبنانية خاصة والمسيحيين عامة.

من شدة قسوة القرار الأمريكي ضد الموارنة وحِدة البطش السوري بحقهم، غادر ما بين أعوام 1990 – 2000 ما يقارب 37% من الموارنة لبنان. لذلك اليوم هناك جيلان مفقودان من الموارنة في لبنان (بين 30 – 50). وإن حاولت أن أصف لكم ظلم السوريين للموارنة بقرار أمريكي، يمكن تلخيصه بأنه ربما أكثر قساوة مما تعرضت له المسيحية مع انطلاقتها الأولى:
• الحصار الاقتصادي: مُنع على أي شركة أو مؤسسة صاحبها ماروني كان على علاقة أو صلة حتى لو بعيدة مع القوات والعونيين أن يحصل على عقد عمل من الدولة اللبنانية، كما تم ابتزازهم بأساليب لا يمكن وصفها.

• الإذلال السياسي: مُنع على أي شخصية سياسية مارونية لو كانت تمثل مائة مسيحي أن تبقى في لبنان، بل تم جعل بقية الطوائف المسيحية أسياداً على الموارنة.

• القمع الأمني: الملاحقات والمضايقات والاعتقالات التعسفية بحق الموارنة، إضافة إلى الحصار المالي والاقتصادي، تحتاج إلى مجلدات لوصفها وجميعها مدون لدى الكنيسة المارونية وجزء كبير منه لدى المنظمات الحقوقية الدولية.

إذاً، كل هذا الضغط الدولي، وبالتحديد الأمريكي، إضافة إلى الضغط السوري… لم يستطيعوا أن يقضوا على الموارنة الذين استعادوا دورهم بعد 20 سنة، ودون حرب أو قتال.

هل يُعقل أن تنجح إسرائيل وخلفها أمريكا بالقضاء على حزب الله؟
أمريكا التي عجزت عن القضاء على حركة طالبان والتي استخدمت ضدها كل أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً، هل تستطيع أن تدخل لبنان، إن كان هي أو الإسرائيليين، للقضاء على حزب الله؟ مما يعني حرباً مباشرة وعمليات استشهادية، إضافة إلى أن غالبية الحركات الإسلامية ستشارك بقتالهم.

لقد قالها المبعوث الأمريكي توم باراك صراحة ودون مواربة، لأن الإدارة الأمريكية تدرك تماماً كلفة حروب الشوارع، وخاصة أن هذه الحرب لا مبررات أخلاقية أو سياسية لها. قال براك: “لن نأتي بالمارينز لفعلها، هذا الأمر لن يحدث ولا في أي مكان، هذه ليست وظيفتنا”.

اذا ما الغاية من الضغط الامريكي الذي يفتقد الى ادنى المعايير السياسية، غير اشعال حرب لبنانية لبنانية خدمة اسرائيل.
حتماً وتأكيداً وقطعاً، حزب الله لن يدخل في حرب أهلية. بالمقابل، من هو في الداخل اللبناني مستعد أن يدخل في حرب أهلية؟ المسيحيون قطعاً ليسوا حتى بوارد هذه الفكرة.

“وهنا يكمن أحد أهم أسباب استحالة العودة للحرب الأهلية، وهو سبب يتجاوز السياسة الداخلية ليصل إلى العواقب الدولية الوخيمة. أذكر لكم ما ذُكر أمامي شخصياً، فقد سُئل أحد رجال الكنيسة الكبار: ‘لماذا لا تقومون بتأمين خروج بعض القيادات الكبيرة إلى أوروبا لتجنيبها مصير الاعتقال أو الاغتيال؟’
فكان الرد بمثابة درس في الواقعية القاسية: ‘لقد حاولنا وتحدثنا مع الأوروبيين، لكن هذه الدول نصحتنا بعدم القيام بهذا الأمر. والسبب؟ أنه في حال تسربت أسماء القيادات المسيحية المتواجدة في أوروبا، فمن المرجح أن تُقام ضدها دعاوى قد تصل إلى جرائم الحرب. وهنا في أوروبا، لا يمكننا حمايتهم، بل ستكون الأحكام مرتفعة جداً’.

إن هذه الحقيقة لا تترك مجالاً للشك: الشعوب والمحاكم الأوروبية لا تعترف بمنطق ‘الدفاع عن قضية’ عندما يتعلق الأمر بالاحتراب الداخلي، فالقتل لديهم ممنوع. والسؤال الذي يطرح نفسه: من هو المستعد اليوم أن يرمي نفسه في هذه الوحول القانونية والاخلاقيى والاجتماعية وحتى الحياتية التي لا تنتهي تداعياتها؟”

دعونا نكون واقعيين إلى أقصى الحدود. فمن يقرأ الضغط الأمريكي بالعمق، يجده قد يؤدي إلى انفجار. لذلك، اليوم المطلوب هو الوقوف خلف الدولة اللبنانية التي بإمكانها أن تحل أزمة السلاح بأسلوبها، خاصة أنها اتخذت قراراً. وبالمقابل، فإن حزب الله مستعد للبحث بكافة الآليات لتطبيق هذه الآليات، مما يعني أنه يجب الاستفادة من هذه الإيجابية عند الجميع. ويجب الضغط على إسرائيل لتنفيذ وقف إطلاق النار والانسحاب من النقاط المحتلة وترسيم الحدود.
أما غير ذلك، فإنه لن يؤدي إلا إلى انهيار لبنان بطريقة دراماتيكية لن تُبقي منه شيء، ويخسر الجميع، والربح فقط اسرائيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى