شؤون لبنانية

ماذا يجري في الجنوب اللبناني؟ حرب تقنية–أمنية أم حرب كي للوعي و اللاوعي؟

الجنوب اليوم مختبر حرب حديثة تُدار فيه المعركة بالتحليل والبيانات

حسن ك. حمود – بيروت

بين الصورة والمعلومة

فيما تتواصل الغارات والاغتيالات في الجنوب والبقاع بوتيرة غير نمطية، طالت في أحيان عدة، الجرافات وجبالات الباطون وكل ما يتعلق بالإعمار، مترافقة مع تحليق المسيرات التي تغطي مساحات واسعة تصل إلى العاصمة بيروت وضواحيها (ولا تستثني صخرة الروشة)، بشكل متواصل يشبه الإمساك بكل حركة ونفس،
يسأل المتابع نفسه: هل نحن أمام حرب تقنية ميدانية عالية الدقة، تستند إلى منظومة مراقبة متطورة؟ أم أن ما يحدث هو حرب نفسية تهدف إلى ترسيخ مشاهد محدّدة في الذاكرة الجماعية – سيارات محترقة، جثث متفحمة، استهداف أطفال ونساء، توتير دائم – ضمن معركة الإدراك والوعي لإخضاع العقل وإجباره على التسليم بالأمر الواقع ؟

الهاتف المحمول… من أداة تواصل إلى أداة تتبّع

لم يعد الهاتف المحمول وسيلة اتصال فقط؛ إنه يترك بصمات رقمية دقيقة يمكن تحليلها واستخدامها استخباريًا.

في النزاعات الحديثة، تُدمج هذه البصمات داخل شبكات متكاملة تعيد بناء حركة الأشخاص بدقة مذهلة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.

تبدأ العملية برصد بيانات الشبكة: نقاط الاتصال، قوة الإشارة، وسلوك الجهاز أثناء التنقل بين الأبراج، لتحديد الموقع التقريبي عبر التثليث الزمني والمكاني.

لكن في الميدان، قد يستخدم خبراء المراقبة الأبراج الوهمية (عبارة عن برمجيات موجودة على متن المسيرات) لتحديد الهوية والموقع اللحظي بدقة أكبر، حيث يتفاعل الهاتف طوعًا مع هذه الأبراج.

وطبعا، لتواصل الهاتف مع شبكة الإنترنت الحصة الدسمة، يمكن لأي تطبيق أن يساعد بتحديد موقع تواجده، والتقاط الصوت والصورة، وهو ما يجعل التحكم في المعلومات تحديًا يوميًا للمدنيين والمراقبين على حد سواء.

شبكة المراقبة الكاملة والكنز الثمين

تضاف إلى البيانات الرقمية معلومات بصرية وجوية وفضائية: كاميرات أرضية، طائرات مسيّرة، وصور الأقمار الصناعية، لتشكّل شبكة مراقبة متواصلة للطرق والمناطق السكنية والمنشآت.

بعد حرب تموز 2006، وقراءة نتائجها، وُضع لبنان تحت مجهر المراقبة: شبكات الاتصالات الأرضية والخليوية، الإنترنت، بيانات الأسماء والعناوين، بصمات الصوت والوجه، سجلات السيارات والعقارات، وأرشيف النفوس، لتكوين ذاكرة استخبارية هائلة تستخدم لمقارنة الصور وتحليل التحركات.

على سبيل المثال، ساعد هذا الأرشيف في تتبع لقاءات الأمين العام مع شخصيات سياسية، وتحليل أنماط تحرك الضيوف والمرافقين قبل وبعد اللقاءات، ما كشف عن أماكن تواجده الدقيقة، مع التأكيد على أن كل خطوة يتم التحقق منها عبر مصادر متعددة.

من الاستعلام المتعدد إلى القرار الميداني

تكمل المصادر البشرية واللوجستية الصورة الاستخبارية، حيث تُستخدم الملاحظات الميدانية لتأكيد المؤشرات الرقمية والبصرية.

حتى أن إطفاء الهاتف، أو تبديل الشرائح، أو أجهزة الهاتف، كما يخطر ببال البعض، لا يعني النجاة أبدًا؛ بل قد يثير الشك ويعزز مراقبة إضافية.

القرارات العملية تعتمد على تراكم المعلومات من التحركات والمصادر المحلية لتحويل البيانات إلى تقدير قابل للتنفيذ.
مع ملاحظة أن التجربة والخطأ،دائما عرضة لإعادة التشريح وتصحيح البرمجيات المواكبة والطرق التي تتكامل مع التقنيات التي تتطور يوما بعد يوم وهي ليست متوقفة عند حد معين.

خبرية “الصاروخ الذي يتبع الهاتف”

انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي روايات عن صواريخ تتبع الهاتف، لكنها أبعد ما تكون عن الواقع التقني.

فالأسلحة الموجّهة تعتمد على أنظمة بصرية أو حرارية أو رادارية، أو GPS، وليس على أرقام الهواتف أو هوية الجهاز المحمول.

عمليًا، كما ذكرنا سابقًا، تُبنى قرارات الاستهداف على دمج استخباري متعدد المصادر.

على سبيل المثال، جريح البايجر الذي اغتيل في النبطية انتظر من يشغل المسيرة حتى وصلت زوجته ليستهدف السيارة، ما يشير بوضوح أن الهدف لم يكن أمنيًا بقدر ما كان رسالة دموية.

الجنوب… ساحة حرب هجينة

إن ما حدث ويحدث في الجنوب ليس مجرد ضربات أو اغتيالات ضمن حرب كلاسيكية؛ إنها حرب هجينة متعددة الأوجه – تقنية، استخبارية، ونفسية – حيث تُستخدم المراقبة للتحكم بالإدراك، وتتحول الصورة إلى أداة لإدارة الوعي واللاوعي الجماعي.

الجنوب اليوم مختبر حرب حديثة تُدار فيه المعركة بالتحليل والبيانات بقدر ما تُدار بالنار والدخان، وفي هذه المساحة الرمادية بين الحقيقة والتأثير، تتكوّن ملامح حرب تُدار بالتفكير والرصيد البشري كما تُدار بالأسلحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى