شؤون دولية

إيران والغرب وخيار الحرب” أمريكا والخطأ الأخير” أ. د. فرح موسى


أ. د فرح موسى: رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية.
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وقيام الدولة الإسلامية عام ١٩٧٩م، لم تتوان أمريكا والغرب المستعمر عن الكيد والمكر بهذه الثورة لصرفها عن أهدافها، وتغيير توجهاتها، لتعود أدراجها، بحيث تكون إسلامية على شاكلة ما عهده الغرب من أنظمة وحكومات إسلامية موالية للغرب ، أو للشرق! المهم بالنسبة للمستعمرين أن لا تكون إيران دولةً إسلاميةً مستقلةً في أطروحتها الدينية والسياسية! فهم، ونعني المستعمرين، والولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا، اعتادوا على نماذج إسلامية من صناعتهم! فلم يألفوا في تاريخهم الاستعماري نظامًا إسلاميًا له أطروحة مستقلة في الثورة، أو في الدولة، فإذا بالجمهورية الإسلامية تخرج إلى حيز الوجود على وقع أنماط مختلفة من العقيدة والفكر والسلوك. ولهذا نراهم يكابدون الحياة، ويعاندون الزمن علّهم يحدثون أمرًا، أو يجدون منفذًا لإخراج إيران من نمطية الاستقلال، لتكون تابعةً لهم في المنهج والرؤية والهدف، ولا بأس عندهم، كما أسلفنا، أن تكون إسلامية في العبادة، والطقوس، وغير ذلك مما اعتاد عليه الغرب المستعمر من جهالة المسلمين في الدين والسياسة معًا! فالإسلام، بنظر الغرب، هو مجرد تعبير يؤدى في أماكن العبادة، وفي طقوس من الزهادة، وهذا ما يألفه اليوم كل متابع لشؤون المسلمين، فلا عهد لهم بالاستقلال، ولا حرية في الدور والوظيفة، فضلًا عن الموت المحقق في الكرامة والسيادة!!!، فكل شيء بالنسبة للغرب يتقوّم من خلال ما يراه من مصلحة دون اعتراض ولا مناقشة! فإيران الإسلامية منذ ظهور مشروعها المستقل، وهي تعاني من مكائد الغرب، وتتحسب لمصائده! وقد بيّنا في بحوثنا عن إيران منذ ثلاثين سنة، وخصوصًا في كتابنا”إيران واستراتيجية المواجهة مع الغرب”، أن الغرب، وأمريكا تحديدًا، حاول جاهدًا استيعاب الثورة الإسلامية، لتكون أكثر مرونة في قبول المصالح الغربية وفق الرؤية الصهيونية!!!، مستغلًا كل الظروف والمعطيات، ومستثمرًا في كل الاتجاهات، لجعل إيران ومصالحها الحيوية مستوعبةً ودائرةً في الفلك الغربي، فلا تتجاوزه، ليكون لها بعدها الجيوسياسي المناسب لاستقلاليتها ، فالغرب منذ عقود من الزمن يحاول إخراج إيران من نفسها، لتكون غربيةًفي كل ما تتطلع إليه من مصالح وأهداف واستراتيجيات ! وهو في كل محاولاته كان يخرج يائسًا بائسًا دون إحداث أدنى تغيير بالرغم من كل ما قدّمه من مغريات ومشاريع للمساعدة في النهضة الإيرانية على نحو ما يريد ويسعى إليه من أهداف ومصالح! لقد فشلت أمريكا مرارًا في تغيير قبلة المشروع الإيراني المستقل، وهي تواجه اليوم، كما واجهت قبل عقود، أمةً صلبةً، وشعبًا لم تعد تنطلي عليه مزاعم الحرية وأكاذيب الحضارة الغربية! فأمريكا اليوم، كما يلاحظ كل خبير في الشأن السياسي والاستراتيجي، تصرف وجهها عن بحر الصين الجنوبي، وتتلهى بالحرب الروسية الأوكرانية، وتبحث عن منابع الطاقة، وتحاصر فنزويلا، وهدفها من كل ذلك، هو معالجة ما تراه من أزمة نووية في إيران لحماية الكيان الصهيوني!؟ وها هي اليوم تعود أدراجها، بعد طوفان الأقصى، لتنغمس كليًا في المواجهة مع إيران والمحور المقاوم لمشاريع الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط. صحيح أن أمريكا ترفع العنوان النووي في ما استجد من صراع مع إيران، إلا أن هذا الزعم لا يشكّل كل الحقيقة. فأمريكا تكذب على العالم في زعمها، أنها تواجه وتتهيأ للحرب مع إيران، لكونها أصبحت على العتبة النووية، فالحشد العسكري غايتهُ، أولاً وأخيرًا، إسقاط النظام الإسلامي في إيران، فلا ينبغي الانخداع مجددًا بما يتم تسويقه من عناوين وشعارات لإعلان الحرب، وعلى الجمهورية الإسلامية الحذر الشديد ممن نسميهم بالحلفاء، أو الدول الإقليمية الساعية لإحداث خرق في جدار التفاوض الإيراني الأمريكي، فهؤلاء جميعًا يعملون في فلك حلف الناتو، ولم نر منهم أدنى نصرة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة!، فكل شيء عند هؤلاء محسوب في السياسة الأمريكية! لقد سبق لنا أن حذّرنا في الحرب الماضية والتي استمرت لإثني عشر يومًا من الخداع الأمريكي الإسرائيلي، وكان محور المقاومة في غفلة عن هذا كله!؟ فلا ينبغي اليوم قبول مناورة الغرب الجديدة للتفاوض، ولا قبول، أو تصديق الدول الساعية لمنع الحرب، وخصوصًا الدولة التركية، أو روسيا، أو الدول العربية، فهؤلاء، كما قلنا سابقًا، ليس لديهم حسابات مستقلة عن الطموح الأمريكي، ولا يملكون خيارات الاعتراض على ما يحشد من قوة للحرب، وإذا كان لهم من دور، فهو لا يتعدى ما كان للدولة العمانية من ذلك، فالكل متأمر على إيران ظلمًا وعدوانًا، وقد صرّح أحدهم من أن عدم ضرب إيران بعد الحشودات الهائلة، سيجعلها أكثر قوةً ومنعةً من ذي قبل! نعم، إنها الحقيقة المرة التي لا بد من التصريح بها، ونحن من موقعنا الإسلامي، نرى أن الجمهورية الإسلامية دخلت في عين الأعصار، ولسنا نشك إطلاقًا في أن القيّمين على شؤون الدولة والثورة في إيران لا يغيب عن بالهم هذا التربص بهم، ما يجعلهم أكثر استعدادًا لخوض الحرب، سواء بدأت اليوم ، أو غدًا، فالغرب يتهيأ لحربه الأخيرة في الشرق الأوسط، ولم يعد أمام الجمهورية الإسلامية من خيار سوى قبول التحدي وخوض غمار الحرب بكل قوة، فإذا كان لا بد من التفاوض مع أمريكا بمساعي إقليمية، أو دولية، فليكن ذلك على قاعدة أن الغرب مخادع، ويناور في التفاوض مع حلفائه في المنطقة.!أما حقيقة الموقف، فهي ظاهرة ولا شبهة فيها، فالكل يريد استهداف إيران إلا ما ندر من الدول المتضررة من الحرب دون وضوح في رؤيتها خوفًا على مصالحها! وهذا ما ينبغي أن تتلّقفه إيران، وتبني عليه، بحيث يكون حالها كحال الذي جاء محذّراً النبي موسى ع، حينما جاءته الرسالة الإلهية، كما قال تعالى:”وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين…”، سورة القصص، الآية:٢٠.هذه هي الرسالة الإلهية التي يجب على إيران أن تفاوض على أساسها، لتكون بمنأى عن أي غدر، والمؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين. والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى