السلم بين الأكوان… والسياسة على كوكبٍ مأزوم – البروفسور علي الهيل – الدوحة

البروفسور علي الهيل
تتردّد بين الحين والآخر روايات غير موثّقة في الأدبيات الشعبية والخيال العلمي تتحدّث عن حادثة مزعومة حدثت في أربعينيات القرن الماضي، خلال رئاسة هاري ترومان للولايات المتحدة، حين يُقال إن مركبة فضائية هبطت في حديقة (البيت الأبيض) قبل أن تقلع مجددًا تحت مراقبة المقاتلات الأمريكية.
قصص من هذا النوع، رغم هشاشتها العلمية، تظلّ مثيرة للتأمل، خصوصًا حين يُشار فيها إلى دور مفترض ل(ألبرت آينشتاين) نفسه، الذي نُسب إليه أنه حثّ الرئيس الأمريكي على تجنّب مهاجمة المركبة حفاظًا على ما وُصف لاحقًا بـ”السلم بين الأكوان”.
سواء كانت هذه الحكايات صحيحة أم محض أساطير حديثة، فإنها تطرح سؤالًا أعمق وأبعد من حدود التاريخ والسياسة:
هل نحن وحدنا في هذا الكون؟
وهل يمكن أن توجد مجتمعات عاقلة في مجرّات أخرى، تدير دولًا، وتخوض صراعات، وتبني حضارات، وربما ترتكب الأخطاء ذاتها التي ترتكبها البشرية اليوم؟
الفيزياء الكونية تقول لنا شيئًا واحدًا بثقة: الكون أوسع بكثير مما يتصور العقل. فعدد المجرّات، وفقًا لتقديرات العلماء، يتجاوز التريليون، وربما هو أكبر بكثير مما تسمح به قدرة أدوات الرصد. وهذه المجرّات ليست نقاطًا معتمة معلّقة في الفراغ، بل عوالم كاملة تحمل احتمالات لا تنتهي من أشكال الحياة.
وفي ضوء هذا الاتساع المذهل، لا يبدو مستبعدًا وجود كائنات عاقلة بعيدة بما لا يمكن لوصف بشري أن يحتمله، تفصلنا عنها تريليونات السنين الضوئية. قد تكون لديها دول ومنظمات وأعراف سياسية، وربما تتفوّق علينا علمًا ورقيًّا، أو قد تكون مثلنا تمامًا؛ تتصارع، وتخطئ، وتكرر المظالم ذاتها.
أسئلة الكون هذه تجعلنا نعيد النظر في عالمنا نحن.
فعلى هذا الكوكب الصغير، وبينما ينشغل البشر باحتمال وجود حضارات بعيدة، تمارس دولة مثل إسرائيل جرائم مستمرة ضد البشر والشجر والحجر، في تجاهل تام للقانون الدولي، وبتواطؤ عالمي يوفّر لها الغطاء الذي يجعلها دولة مارقة متفلّتة من كل مساءلة.
وإذا كنا نتخيل احتمال وجود “سلم بين الأكوان”، فإن السلم بين دول الأرض أنفسها ما يزال حلمًا مؤجلًا، تُجهضه السياسات العدوانية، واختلال ميزان القوة، وموت الضمير الإنساني في أماكن كثيرة من العالم.
يقول الله تعالى:
﴿وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطوياتٌ بيمينه﴾ (الزمر: 67).
وفي هذا التصوير القرآني تتجلّى فكرة بديهية: نحن أصغر بكثير مما نظن. والعالم الذي نعيش فيه—بصراعاته ومآسيه—ليس سوى نقطة ضوء في بحر كوني لا يحيط به علمٌ ولا خيال.
قد يبقى ما نُقل عن (ترومان) و (آينشتاين) من قبيل الروايات المتخيلة، لكنّ قيمتها لا تكمن في صدقيتها، بل في قدرتها على دفعنا لطرح سؤال جوهري:
إذا كانت هناك أكوان أخرى وكائنات أخرى، فهل ستكون—هي أيضًا—رهينة الاقتتال والتجويع والظلم، مثل عالمنا؟
أم أنّ الكون الواسع يحمل في طياته أشكالًا من الحكمة والعدل لم نبلغها بعد؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة، تُحفّز خيال الباحث، وتدفع الإنسان إلى التأمل في موقعه الهش داخل كون هائل لا يُدرك مداه… وربما لا يريد أن يهاجم أحدًا إن جاءه يومًا زائر من مجرة بعيدة.




