شؤون عراقية
تراجيديا تلاشي الدولة العراقية ، (وشيء من التاريخ القريب ) د. حيدر راضي الشمرتي.

د. حيدر راضي الشمرتي
- عام ١٩٦٨ حدثني أستاذي الدبلوماسي القدير المرحوم عبدالحسين الجمالي ، عن الدبلوماسية والدور الذي يلعبه السفراء في إقامة أفضل العلاقات الدولية ، وترسيخ الأمن والسلم العالمي والإقليمي . وأوضح لي : أن الخبرة الدبلوماسية تكتسب بالتدريب المتدرج ، وقد نحتاج عدة سنوات لنتمكن من اكتساب المهارات الدبلوماسية . واستطرد بالقول : فإن أردتم استبدال الدبلوماسيين القدامى بآخرين من حزبكم ، فهذا من حقكم ، لكن نصيحتي أن لا تتعجلوا قبل تكوين دبلوماسيين جدد ، يكونون بدلاء عن الدبلوماسيين المستبدلين . لأن مهمة الدبلوماسي بالأساس هي خدمة الدولة ، بغض النظر عن طبيعة وشكل النظام الحاكم . أي أن الدبلوماسي مِثْل الطبيب ، يعالج المريض بعيداً عن أصله وفصله ومكانته وعقيدته وصفاته الشخصية والاجتماعية . فالدبلوماسية العراقية بنيت على هذه الشاكلة ، أي على أسس وطنية متينة وقيم وعلاقات دولية مرموقة . وضرب لي مِثال قال فيه : السلطة ، تستطيع إصدار قرار بتعييني رئيسا للوزراء أو وزيراً للصحة ، لكنها لا تستطيع تعييني طبيباً ، بل ولا تستطيع تعييني حتى مضمداً صحياً لزرق الأبر . وفي وقتها حكى لي هذه الحكاية : السيد جعفر العسكري وزير الدفاع ومؤسس الجيش العراقي ، صارّ مرتان رئيساً للوزراء وذلك في أعوام العشرينات ، ولما أصبح نوري السعيد رئيسا للوزراء في أوائل الثلاثينيات ، إختلف معه وقدم استقالته . أراد الملك فيصل الأول تعيينه سفيراً للعراق في بريطانيا العظمى ، لحين أن تهدأ الأزمة بينه وبين السعيد . لكن أصحاب المشورة والمسؤولين في الديوان الملكي ، أوضحوا للملك : إن تعيينه بمنصب سفير ، هو إجراء غير صحيح ، لأن جعفر العسكري ليس لديه خبرة دبلوماسية تأهله لحمل لقب منصب السفير . وبعد مشاورات عديدة ، جرى تعيين السيد جعفر العسكري بمنصب وزير مفوض للعراق في بريطانيا ، وهي ( درجة وظيفية أقل من درجة سفير ، في ملاك الوظائف الدبلوماسية العراقية ) .
- بأمانة تامة ، نقلت بالكامل حديث وأفكار السيد الجمالي ، إلى وزير الخارجية المرحوم عبدالكريم الشيخلي . وللأمانة التاريخية أقول : لقد تحمس الوزير الشيخلي لأفكار الأستاذ الجمالي ، وطلب منه تدريب المتعينين الجدد من خريجي الجامعات بوظيفة ( ملحق دبلوماسي ) التي تعادل وظيفة ( معاون ملاحظ ) في الملاك الوظيفي لنظام الخدمة المدنية . وهكذ تطورت المناهج التدريبية في ديوان وزارة الخارجية ، وقادت بعد ذلك ، إلى تشكيل المعهد الدبلوماسي داخل ملاك وزارة الخارجية العراقية . وأصبح آنذاك عميد الدبلوماسية العراقية الصديق السفير المرحوم محسن الجزائري ، أول عميد للمعهد الدبلوماسي ، الذي قدم للدولة العراقية الكثير من النخب الدبلوماسية القديرة التي ساهمت في حماية مصالح الدولة العراقية .
- إن تعيين مئة سفير دفعة واحدة ، لأشخاص كل مؤهلاتهم ، هو إنهم ضمن التحاصص الطائفي الخاص بتوزيع غنائم وأسلاب العراق المنكوب بمخاتير العصر ، يعتبر من أفتك أساليب التدمير الممنهج للدبلوماسية العراقية منذ عام ٢٠٠٣ ، وبمثابة إطلاق رصاصة الرحمة على الدبلوماسية العراقية التي أشاد بنيانها خيرة ساسة العراق خلال مئة عام .
- وعليه إيقاف قائمة السفراء الجدلية التي سوف تنعكس سلباً على تاريخ العراق الحضاري.




