شؤون لبنانية

العارف بالخبايا وحامل همّ “حزب الله” على أكتافه.. قاسم قصير- بقلم: سلوى فاضل

بقلم : سلوى فاضل

يتّصف الكاتب المحلل السياسي الدكتور قاسم قصير بالكثير من الهدوء والصبر، وحُسن العلاقات مع الآخر، وهو وإن كان شيعيّا إلاّ أنّه يسير على درب معاوية في عدم قطع الشعرة مع الآخر المُختلف والمُؤتلف.


لكن الحاج قاسم كما يعرفه القاصيّ والدانيّ يتخلّق بأخلاق الإمام علي الذي قال أيضًا (أحببْ حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضَك يومًا ما، وإبغضْ بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبَك يومًا ما) .
في كتابه الأخير (حزب الله الفكرة والمسيرة: من الآباء المؤسسين إلى طوفان الأقصى) الذي يحويّ حوالي ٩٧ صفحة من القطع الوسط، يسير فيه عكس طبعه الهادىء الشهير في أمرين، الأول استعجاله اصدار كتابه المُهم هذا والغنّي، قبل أن يُراجعه من هم أهل الخبرة بالكتب، إنْ لم نقل بالصياغة وبالتحرير.
مُحرر كتاب قصير الغنّي والقيّم ظَلَمَ المادة القيّمة والغنيّة التي تحويه حيث بدأ مع فكرة تأسيس الحزب، الفكرة التي لها رجالها الأوائل، صانعيّ البذرة المُلتزمة الأولى، هذه الفكرة التي كانت تبدو للجميع مجنونة، كما هو حال الثورة التي اقتلعت أكبر قاعدة أميركيّة في المتوسط في القرن الماضي.
هو الواعيّ للكلّ من أسماء وتواريخ وأحداث وأماكن وتحوّلات، وهو بحق الأرشيف الحيّ الناطق المُتنقل، الحامل لبذرة المقاومة الإسلاميّة التي تستمد ميثاقها العمليّ من روح التشيّع كما تُعلن.
يُدرج قصير في الكتاب القيّم هذا كلّ التفاصيل، لكنه يُتعب القارئ، خصوصًا غير المُعاصر لمرحلة التأسيس، يُتعبه بنصّه غير المُحرر، والذي بقيّ على عواهنه حيث تم استقاه من حوار مع مؤسسة اعلاميّة إيرانيّة… ولا بد من التأكيد أنّ الحوار يختلف تمام الاختلاف عن النصّ المكتوب.
بالعودة إلى المضمون، يكشف قصير عن مضامين يحتفظ بها حزب الله حتى اليوم، وإن كانت معروفة لدى المُختصين، إلاّ أن أحدًا لم يُقدّم أو يجرؤ على نشرها.
من هنا، يمكن القول إنّ قاسم قصير الإبن الروحيّ للحزب، وناقل خفايا تركيبته هو بالوقت عينه الخبير بخفاياه وأسراره وواجهته الاعلاميّة المُختلف حولها بين المؤيد والمعارض.
دومًا، وباستمرار ينقل ما ينقل عن (مصدر) أو (مصادر) أو (على ما اعتقد) نازعًا عن نفسه صفة الوثوق أو الوثاقة في الخبر، جاعلًا كلّ ما يروي ضمن إطار القول: “بحسب رأييّ” حاميّا نفسه من غضبة حزبلاهيّة هنا أو هناك، وغضبة شعبيّة أحيانًا، من كونه ليس الناطق الرسمي باسم “الحزب” فلا يحق له ما هو حق لمن استوجب عليه ذلك.
هو أحرص الاعلاميين على علاقته بالفكرة التي ارتقت وصارت حقيقة دامغة، أمام عينيه.
يوّثق في مخيلته وذهنه الوقّاد ويحفظ الأحداث ويرويها بصدق لدرجة التأثر على مرحلة تأسيسيّة ماضية، والحنين لباذري سنابل القمح الأوائل، الذين قدّموا الغاليّ والنفيس لأجل “إسلام محمديّ أصيل” كما يرددون وبحسب أدبياتهم. فلم يكن المُبتدأ مع الإمام الخميني كما يعتقد البعض، ولا مع إيران، بل مع المرجعيّة العراقيّة وحزب الدعوة بالذات الذي كان سرّيا في البداية.
وقد تأثر قاسم قصير بالفعاليات السنّية كثيرًا وبمؤسساتهم الدينيّة والتعليميّة والكشفيّة، فانضم إليهم باكرًا،_ربما بحثا عن انتماء إسلامي ديني مفقودا لدى الشيعة حينها، ولهذا السبب لازال يحافظ على علاقاته الوديّة معهم، وربما لكون الشيعة في لبنان عانوا سابقًا حرمانا واستبعادًا أقصى، وأفضى بعد سنوات طوال إلى سمو وسيطرة عُليا…
تدرّجت المقاومة فارتفعت ورفعت معها من كان مُهمشًا، أقصى حدود التهميش الوطني، لذا ترى النص-الكتاب ولد ونما وكبر وارتفع، لكن الخوف الذي يعتري المُؤلِف على هذه الحالة يُظهر لاموضوعيّته ولاحياديّته كباحث ينظر من بعيد. بل، تراه في قلب الحمأة، وهو في الكتاب كما هو على الشاشة يتأثر ويبالغ بتأثره كأنه بذلك التأثر يُقدّم فروض الندم على نقد أفلت منه هنا وهناك في أزمان وَلّت.
كاتب يكتم أسرارًا كثيرة يُفرج عنها في الوقت المناسب، ولأشخاص مناسبين، من هنا يجمع من الأصدقاء المتناقضين، لكنه لا يجمع الأفكار المتناقضة. وإن كان يجمع المتناقضين والمُختلفين والمُتحاربين تحت خيمة صداقته.
الكتاب السريّ للحزب، بالنسبة لقاسم قصير، وبحسب اطلاعي، هو نوع من “بازل”، يكشف من خلاله كلّ فترة أو مرحلة بعضًا من أسراره… فمتى تكتمل لوحة الـ”بازل” هذه يا حاج؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى