شؤون عراقية

التيار الصدري قرار المقاطعة بينالإصلاح السياسي و الأنسحاب التكتيكي” – محمد المشهداني- بغداد

محمد المشهداني- بغداد

منذ سقوط نظام البعث الصدامي العام 2003، تَشكّلت العملية السياسية في العراق على الأسس الطائفية والعرقية المعقدة، تداخلت فيها المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. وفي هذا المشهد المتشابك، برز التيار الصدري بقيادة الزعيم
السيد مقتدى الصدر كأحد أهم وأقوى التيارات و الأحزاب الإسلامية الشيعية ذات الحضور الشعبي الواسع والقدرة التنظيمية العالية.

و لكنّ إنسحاب التيار الصدري من العملية السياسية في أكثر من محطة، وآخرها بعد إنتخابات العام 2021، أثار موجة من الجدل حول مستقبل النظام السياسي العراقي، وحول طبيعة الدور الذي يريد السيد مقتدى الصدر أن يلعبه في تحديد ملامح الحكم في البلاد.

الخلفية التأريخية للمشاركة الصدرية في العملية السياسية _

التيار الصدري، الذي أنبثق من إرث المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر والمرجع الديني الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر، دخل الساحة السياسية العراقية بعد العام 2003. بوصفه قوة جماهيرية معارضة و مقاومة للاحتلال الأميركي، و لكنه سرعان ما تحول إلى فاعل سياسي مركزي يمتلك جناحين:

  1. الجناح السياسي الذي تمثل في الكتلة “الأحرار” ثم “سائرون” _ حاليا _ الكتلة الصدرية.
  2. الجناح العسكري تمثل سابقًا بـ”جيش المهدي” ثم الأن “سرايا السلام”.

شارك التيار الصدري في الحكومات المتعاقبة، وتقلد وزراء من أتباعه مناصب حساسة، و لكنه في الوقت ذاته بقي في حالة دائما بين خطاب المعارضة والمشاركة، أي بين التمرد على النظام والتموضع داخله. و هذا جعل التيار الصدري ظاهرة سياسية فريدة، تجمع بين الشعبوية الثورية والبراغماتية السياسية.

جذور المقاطعة الأخيرة (2021–2022) _

بعد إنتخابات تشرين 2021، حصد التيار الصدري الكتلة النيابية الأكبر نحو 73 مقعداً في مجلس البرلمان العراقي مما منحه شرعية تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية دون مشاركة منافسيه من “الإطار التنسيقي” وعدم التوافقية الطائفية.

و لكن السيد مقتدى الصدر ما كمل في تمرير مشروعه بسبب التعقيدات الدستورية والضغوط السياسية، و لا سيما الثلث المعطل الذي أستخدمه الإطار التنسيقي لمنع تشكيل الحكومة.

وفي حزيران العام 2022، أعلن التيار الصدري أنسحاب نوابه من البرلمان، في خطوة غير مسبوقة في تأريخ العراق الحديث. تبع ذلك أتسحاب شامل من العملية السياسية، مبررًا قراره بأنه يرفض المشاركة في نظام فاسد عاجز عن الإصلاح، معلنًا تحوله إلى معارضة شعبية خارج المؤسسات.

الدوافع العميقة للمقاطعة _

تتعدد الأسباب التي دفعت التيار الصدري إلى المقاطعة، ويمكن تلخيصها في أربعة مستويات مترابطة:

  1. الدافع السياسي _

التيار الصدري سعى منذ عدة سنوات إلى ترسيخ مفهوم الأغلبية السياسية مقابل التوافقية الطائفية التي حكمت العراق منذ العام 2003. وعندما فشل في تحقيق ذلك بسبب تحالفات خصومه، قرر الأنسحاب لتقويض شرعية النظام التوافقي بأكمله، وإحراجه أمام الجمهور.

  1. الدافع الإجتماعي والشعبي _

التيار الصدري يدرك أن قاعدته الشعبية تعبت من الفساد والبطالة وضعف الخدمات، فأختار
السيد مقتدى الصدر أن يتمايز عن باقي القوى والأحزاب الشيعية التي تلطخت سمعتها بإدارة الدولة. ومن خلال الأنسحاب أراد إعادة بناء صورته كزعيم وطني ثائر ضد الفساد والمحاصصة الإحتلال.

  1. الدافع الإقليمي _

موقف السيد مقتدى الصدر أيضًا رسالة إلى التدخلات الخارجية التي يرى أنها تتدخل في تفاصيل السياسة العراقية. إنسحابه كان بمثابة تحدٍ للنفوذ الخارجي في الساحة الشيعية خاصة و العراقية عامة وإشارة إلى أنه لا يقبل أن يكون تابعًا لإرادة الخارج، حتى لو كلّفه ذلك خسارة السلطة.

  1. الدافع الإستراتيجي _

الأنسحاب لا يعني الأعتزال السياسي الدائم، بل يمكن تفسيره كـ مناورة إستراتيجية لإعادة التموضع. فالتيار الصدري يمتلك قاعدة جماهيرية منظمة يمكن تعبئتها في أي لحظة، حيث مما يجعله يحتفظ بورقة ضغط كبيرة دون أن يتحمل مسؤولية الفشل الحكومي.

تداعيات المقاطعة على المشهد السياسي العراقي _

  1. تعميق الأزمة البنيوية _

غياب التيار الصدري عن مجلس البرلمان أضعف الشرعية التمثيلية للمؤسسة التشريعية، وكرّس هيمنة الإطار التنسيقي، لكنه في الوقت ذاته أفرغ المعارضة من مضمونها الديمقراطي، لأن المعارضة في الشارع دون أطر مؤسساتية قد تؤدي إلى الفوضى.

  1. تراجع التوازن الشيعي _ الشيعي _

كان التيار الصدري يمثل ثقلًا موازنًا أمام منافسه الإطار التنسيقي، ومع إنسحابه أصبح القرار الشيعي مائلًا لصالح القوى الأخرئ حيث مما قلّل التنوع داخل البيت الشيعي وأضعف القدرة على إنتاج قرارات مستقلة ومتوازنة.

  1. إنعكاسات أمنية وشعبية _

التيار الصدري يمتلك قاعدة قادرة على التعبئة السريعة، كما حدث في أحداث أشتباكات المنطقة الخضراء في شهر آب / أغسطس العام 2022. حين أقتحم التيار الصدري مجلس البرلمان. و هذا المشهد كشف أن غيابهم عن المؤسسات لا يعني غيابهم عن الشارع، بل جعلهم فاعلًا ضاغطًا لا يمكن تجاوزه.

  1. تأثيرات اقتصادية إدارية _

و مع تراجع المشاركة الصدرية في الحكومة، فقدت الدولة بعض القنوات التي كانت تضبط العلاقة بين الشارع والمؤسسات، و مما أدى إلى تنامي الأحتجاجات المطلبية و أزدياد التوتر بين الحكومة و التيار الصدري.

المقاطعة بين الإستراتيجية والتكتيك _

لا يمكن قراءة قرار السيد مقتدى الصدر في الأنسحاب على أنه إنسحاب نهائي، فخطابه السياسي يتّسم بالمرونة العالية والقدرة على تغيير المواقف تبعًا للظروف.

و من المرجح أن السيد مقتدى الصدر أراد تجميد المشاركة لا إنهاءها، في إنتظار لحظة مناسبة يعود فيها بشعار “الإصلاح من الخارج” بعد أن يُحمِّل خصومه مسؤولية الإخفاق.

إنها سياسة الأنسحاب المؤقت لإعادة التموضع — أسلوب أستخدمه زعيم التيار الصدري
السيد مقتدى الصدر مرارًا، منذ أحتجاجات العام 2016. حين أقتحم التيار الصدري المنطقة الخضراء، ثم عاد لاحقًا إلى العملية السياسية بقوة إنتخابية جديدة.

السيناريوهات المستقبلية _

  1. العودة المشروطة للمشاركة _

قد يعود التيار الصدري إلى البرلمان عبر إنتخابات مبكرة، بشرط إعادة صياغة قانون الإنتخابات وتغيير موازين القوى، بحيث تتيح له تشكيل حكومة “أغلبية وطنية” دون خصومه التقليديين.

  1. التحول إلى معارضة إجتماعية دائمة _
    السيناريو الثاني هو أن يتحول التيار الصدري
    إلى قوة أحتجاجية شعبوية تؤطر الغضب الشعبي وتضغط على الدولة من الخارج، خاصة مع تصاعد الأزمات الأقتصادية والخدماتية.
  2. تفاقم الصدام الشيعي _ الشيعي _

في حال إستمرار التوتر بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، قد ينفجر الصراع إلى مواجهات سياسية أو حتى ميدانية، خصوصًا إذا شعر
السيد مقتدى الصدر بأن نفوذه الشعبي مهدد.

  1. إعادة هندسة النظام السياسي _

المقاطعة الصدرية قد تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول فشل نظام والمحاصصة الطائفية والحاجة إلى نظام سياسي جديد يضمن التمثيل ويمنع التدخلات الخارجية في العراق . وقد يكون زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر أحد أبرز دعاة هذا التحول.

و إن مقاطعة التيار الصدري للعملية السياسية ليست مجرد موقف إحتجاجي، بل هي إعلان أزمة عميقة في بنية النظام السياسي العراقي. فحين تعجز أكبر قوة شعبية شيعية عن إيجاد مكان عادل داخل مؤسسات الدولة، فهذا يعني أن العملية السياسية وصلت إلى مرحلة الأنسداد التأريخي.

التيار الصدري لا ينسحب من السياسة بقدر ما ينسحب من معادلة الفشل الجماعي، محاولًا أن يعيد تعريف السياسة من جديد: ليس كحكم ومناصب، بل كأداة إصلاح ومحاسبة.
ومع ذلك، فإن المستقبل سيكشف إن كانت هذه المقاطعة خطوة نحو التجديد أم مقدمة لأنفجار سياسي وأجتماعي جديد في العراق.

محمد المشهداني _

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى