شؤون عراقية

سباق الإنتخابات العراقية”بين نفق الأزمات ومستقبل التغيرات – محمد المشهداني

محمد المشهداني بغداد

مع أقتراب موعد الإنتخابات العراقية المقبلة، تبدو الساحة السياسية أكثر أضطرابًا من أي وقت مضى. بحيث أن المشهد لم يعد مجرد منافسة بين القوى والأحزاب الكلاسيكية التقليدية، بل هو صراع على هوية الدولة و إتجاه بوصلتها السياسية بين معسكرات النفوذ الداخلي والخارجي. في بلدٍ أنهكته الأزمات المتراكمة، يقف الناخب العراقي أمام مفترق طرقٍ حقيقي وهو هل يمنح ثقته مجددًا للنخب القديمة التي فشلت في إدارة الدولة، أم يغامر بالتصويت لقوى جديدة لم تختبر بعد في الحكم؟

خلفية المشهد تراكم الأزمات وتراجع الثقة _

منذ سقوط النظام البعث الصدامي العام 2003، لم يعرف العراق أستقرارًا سياسيًا راسخًا. حيث أن الإنتخابات السابقة، رغم ما رافقها من وعودٍ بالإصلاح والتغيير، إنتهت دائمًا إلى إعادة تدوير ذات الوجوه والكيانات، ضمن نظامٍ محاصصاتي رسّخ نفوذ الأحزاب الكبرى وأبقى مؤسسات الدولة رهينة للتوازنات الطائفية والمناطقية.

و اليوم يدخل العراق أستحقاقًا إنتخابيًا جديدًا وسط بيئة مشبعة في التوترات الأزمة الأقتصادية الخانقة، و الفساد الأداري المتجذر و البطالة المرتفعة، و الأنعدام الثقة التي يكاد أن تكون تامًا بين المواطن ومؤسسات الدولة و هذا المزاج الشعبي المتشائم قد يجعل من المشاركة في الإنتخابات معركة بحد ذاتها، إذ يتوقع كثيرون أن تكون نسبة الإقبال محدودة ما لم ينجح المرشحون في كسر حاجز الإحباط الجماهيري.

التيارات الكبرى بين تفكك التحالفات
وتبدل الولاءات _

البيت الشيعي _

يخوض البيت الشيعي الإنتخابات وهو أكثر أنقسامًا من أي وقتٍ مضى حيث أن التيار الصدري الذي أنسحب سابقًا من البرلمان والعملية السياسية وأربك المشهد السياسي، لا يزال يتمتع بثقل شعبي كبير و لكنه يواجه تحديًّا في تحويل هذا الزخم إلى مشروع سياسي قابل في الأستمرار بالمقابل تحاول الإطارات السياسية الشيعية الأخرئ من إعادة تنظيم صفوفها لتجنب فقدان السيطرة على السلطة التنفيذية.

البيت السني _

أما القوى والأحزاب السنية، فتعيش حالة من إعادة الترتيب بعد تجارب متعثرة في إدارة المحافظات المحررة من تنظيم داعش الإرهابي حيث أن الشخصيات السنية التقليدية تواجه صعود جيل جديد من القادة المحليين الذين يسعون لتجاوز الأصطفاف المذهبي نحو الخطاب التنموي والخدماتي، رغم أستمرار تأثير بعض العواصم الإقليمية في توجيه خياراتهم.

البيت الكردي _

في إقليم كردستان العراق يتجدد التنافس الحاد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني و الإتحاد الوطني الكردستاني _ اليكتي و البارتي _ وسط تصاعد الخلافات حول توزيع الموارد وعلاقة الإقليم في المركز _ بغداد و الأزمات الأقتصادية المتكررة والأحتجاجات في محافظتي السليمانية وأربيل أضعفت شرعية النخبة الكردية التقليدية وأفسحت المجال لظهور الأصوات المعارضة الداخلية التي تطالب بإصلاحات جذرية.

المال والسلاح ثنائية النفوذ المقلقة _

الإنتخابات العراقية لطالما كانت ميدانًا تتقاطع فيه القوة المالية والعسكرية. فالسلاح المنفلت لا يزال يفرض ظله على العملية الإنتخابية سواء عبر التهديد أو عبر توجيه الناخبين و كما أن المال السياسي يشكل عاملًا حاسمًا في حسم النتائج في مناطق واسعة من البلاد. ورغم محاولات المفوضية العليا للحد من هذه الظواهر، إلا أن قدرة الدولة على فرض حياد العملية الإنتخابية لا تزال محدودة.

القوى الجديدة أمل التغيير
أم أصوات هامشية؟ _

تسعى الحركات المدنية المنبثقة عن أحتجاجات تشرين العام 2019. إلى دخول المعترك الإنتخابي بقوة جديدة و هذه القوى والأحزاب ترفع شعارات الدولة المدنية و محاربة الفساد و العدالة الإجتماعية وتطمح إلى كسر أحتكار القوى و الأحزاب التقليدية وخاصة الإسلامية و لكنّ ضعف التنظيم، وشحّ الموارد، وغياب الحماية السياسية يجعلها تواجه معركة غير متكافئة.

مع ذلك، فإن مجرد وجودها في السباق الإنتخابي يعكس تحوّلًا في الوعي السياسي العراقي، وإشارة إلى بداية مرحلة قد تنضج لأحقًا نحو بديل وطني أكثر نضجًا وتمثيلًا.

النفوذ الإقليمي والدولي
و صراع على إتجاه العراق _

من المستحيل فصل الإنتخابات العراقية عن سياقها الإقليمي _ إيران ما تزال تمتلك شبكة نفوذ واسعة داخل العراق من خلال القوى والأحزاب السياسية الإسلامية و فيما تحاول الولايات المتحدة الأميركية وشركاؤها دعم القوى والأحزاب السياسية التي تُصنّف بأنها “معتدلة” لضمان التوازن القوى.
أما الدور العربي – وخاصة الخليجي – فقد بدأ يستعيد زخمه في محاولة لإعادة العراق إلى محيطه العربي عبر البوابة الأقتصادية الدبلوماسية و لكن نجاح هذه الجهود يبقى رهنًا بنتائج الإنتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة.

إحتمالات ما بعد الإنتخابات _

إعادة إنتاج السلطة نفسها السيناريو الأرجح، حيث تنتهي المفاوضات إلى حكومة توافقية جديدة تُرضي الجميع ولا تغيّر شيئًا في الواقع.

و صعود مفاجئ لقوى الإصلاحية: إحتمال أقلّ، لكنه قائم في حال أتسعت رقعة التصويت الشعبي الرافض للمنظومة القديمة.

حيث أن فشل التوافق وحدوث فراغ سياسي وهو سيناريو خطير قد يفتح الباب أمام أضطرابات أو عودة الأحتجاجات الشعبية الواسعة.

أختبار النضج السياسي العراقي _

الإنتخابات العراقية المقبلة ليست مجرد سباق على المقاعد،ة بل أمتحان لقدرة النظام السياسي العراقي على تجديد شرعيته أمام شعبٍ سئم الوعود.
النتائج – أياً كانت – لن تحسم فقط من سيحكم العراق، بل ستحدد ما إذا كان البلد ما زال قادرًا على إصلاح نفسه من الداخل، أم أنه سيظل أسيرًا لدائرة مغلقة من الأزمات المتعددة التي تعيد إنتاج نفسها كل أربع سنوات.

محمد المشهداني _

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى