شؤون عراقية

حركة أمل و التيار الصدري”الهوية الواحدة في آل الصدر 1/بقلم محمد المشهداني – بغداد

بين الدولة والمقاومة _

في المشهد اللبناني والعراقي، حيث تتشابك الطوائف مع السياسة، وتتقاطع العقيدة مع الجغرافية ، برزت حركتان شكّلتا ملامح الوعي الشيعي السياسي الحديث.

حركة أمل في لبنان والتيار الصدري في العراق.

و كلاهما خرج من رحم المعاناة الأجتماعية و
السياسية وكلاهما أستند إلى إرث المرجعية الدينية في السادة آل الصدر و لكن مساريهما تمايزا بين من أختار البراغماتية السياسية ومن تمسّك في خيار الثورة الدائمة.

ولفهم تعقيدات المشهد الشيعي وخاصة السياسي في العالم العربي والإسلامي وفي الشرق الأوسط
و لا بد من قراءة متأنية التأريخ هاتين الحركتين، اللتين مثّلتا ولادة المؤسسون من أسرة السادة آل الصدر الكرام

حركة أمل – من نهضة المحرومين إلى عمود الدولة اللبنانية

تعود جذور حركة أمل إلى عقد السبعينيات القرن الماضي و تحديدا في العام 1974. حين أسّس الإمام السيد موسى الصدر في لبنان ما سُمّي حينها بـ حركة أفواج المقاومة اللبنانية _ أمل

وما إن أعلن الإمام السيد موسى الصدر عن تأسيس حركة أمل فانهالت عليه آلاف مؤلّفة من الشباب للأنضمام إليها و شهدت بيوت قادة حركة أمل ومحل إقامة السيد موسى الصدر في بيت أحمد إسماعيل وأيضاً المقرّ المؤقّت لحركة أمل في منطقة جسر فؤاد الأول يومياً مجاميع المتطوّعة لحمل السلاح والتدريب العسكري.

وفي محاولة لتنظيم الطائفة الشيعية التي كانت تعيش في أطراف الدولة اللبنانية سياسياً وأقتصادياً.
بحيث رفع الإمام الصدر شعار رفع الحرمان عن المحرومين وطرح مشروعاً متقدّماً في زمنه يقوم على دمج الشيعة في مؤسسات الدولة بدل عزلهم عنها و من خلال العمل السياسي السلمي والتنموي.

المصدر المالي الأول _

تم تجهيز السلاح لهذا لحركة أمل عن طريق الأخماس والزكوات المستخرجة من أثرياء الشيعة بحيث كان السيد موسى الصدر يشتري السلاح بشكل مباشرٍ من رومانيا. بحيث أن أوّل صفقة سلاحٍ تمت على يده كانت قرضاً من أحد المتموّلين في الجنوب.

المساعدات المالية من أثرياء لبنان هي المصدر الآخر لتمويل حركة أمل . وكان السيد موسى الصدر يرفض المساعدات القادمة من الفصائل الأخرى كمثل حركة فتح وفضّل أن تكون حركة أمل لها أكتفاءً ذاتياً من ناحية التمويل ولذا يرفض السيد موسى الصدر مقترح خليل الوزير مساعد الرئيس ياسر عرفات بتمويل وتجهيز الحركة بالسلاح و بأحترام.

المساعدات المالية القادمة من مراجع التقليد في العراق و إيران هي الآخرى الداعمة لحركة أمل. فمثلا دفع آية الله العظمى السيد محمد رضا الكلبايكاني مليون ليرة لبنانية إلى السيد موسى الصدر لحل المشاكل المالية للشيعة هناك ورعايةً لأمورهم في لبنان.

و لكن أختفاء الإمام الصدر العام 1978. في ليبيا على يد الديكتاتور معمر القذافي مثّل نقطة تحوّل عميقة. فقد أنتقلت قيادة حركة أمل إلى الأستاذ نبيه بري المحامي القادم من الضاحية الجنوبية _ لبيروت وهو الذي حوّل أمل من حركة إحتجاج أجتماعي إلى تنظيم سياسي وعسكري فاعل في الحرب الأهلية اللبنانية.

حيث دخلت حركة أمل الحرب الأهلية اللبنانية
العام 1975، كمقاومة ذي جناح عسكري وأن هذا الجناح العسكري كقوة دفاعية عن القرى الجنوبية في مواجهة الأعتداءات الإسرائيلية وعن الوجود الوطني في وجه التفكك الداخلي.

وكذلك دخلت في صراع مع القوى الفلسطينية والأحزاب اللبنانية لكنها بقيت متمسكة بخيط التواصل مع جميع القوى والأحزاب السياسية الداخلية مستندة إلى براغماتية وسياسة الأستاذ نبيه بري وقدرته على المناورة السياسية.

مع توقيع أتفاق الطائف العام 1989، كانت حركة أمل قد حجزت موقعها داخل النظام الجديد، لتصبح شريكاً رئيسياً في الحكم إلى جانب الطوائف الأخرى. ومنذ ذلك الحين، تولّى الرئيس نبيه بري رئاسة البرلمان اللبناني دون إنقطاع تقريباً، ليصبح أحد أقدم رؤساء البرلمانات في العالم العربي.

وبهذا الأتفاق شكّل نقطة تحوّل في مسار حركة أمل فبعد أن كانت حركة أمل تُعرّف نفسها بأنها حركة مقاومة باتت تمارس دورًا محوري في الحفاظ على خط المقاومة كقيمة وطنية و المشاركة في السلطة كخيارٍ سياسي واقعي و هذا التوازن جعلها جسرًا بين الدولة والمقاومة، وبين الطائفة الشيعية والنظام السياسي اللبناني.

و بفضل حضورها الشعبي الواسع تمكنت حركة أمل من ترسيخ نفوذها في الجنوب والبقاع مستندة على الشبكات الأجتماعية و التربوية و الخدماتية الواسعة وكما أصبحت لاعبًا محوريًا في المعادلات الحكومية، من خلال تحالفها الوثيق مع الأخ حزب الله ضمن ما يُعرف بـ الثنائي الوطني الشيعي الذي شكّل منذ عقد التسعينيات قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في لبنان والإقليم.

و رغم تحالفها مع حزب الله، حافظت حركة أمل
على خصوصيتها السياسية فهي تطرح نفسها كحركة وسطية داخل المعسكر الشيعي الأكثر أنفتاحًا على القوى السنية والمسيحية، وأقرب إلى منطق الدولة ومؤسساتها و بهذا التوازن سمح لها في الأستمرار في المشهد السياسي رغم العواصف التي مرّ بها لبنان من إنسحاب الجيش السوري العام 2005. إلى حرب تموز العام 2006. و إلى الأزمات الأقتصادية والأحتجاجات الشعبية منذ العام 2019.

في الحرب الإسرائيلية الأخيرة 2023–2025.
على لبنان.

حافظت حركة أمل على هذا التوازن الدقيق
فمن جهة أيدت حق المقاومة في الرد على الأعتداءات الإسرائيلية وأكدت تضامنها مع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

ومن جهة أخرى، دعا رئيس مجلس النواب اللبناني
الأستاذ نبيه بري إلى تجنّب أنزلاق لبنان إلى حرب شاملة، مؤكدًا أن “المعادلة الوطنية تفرض الدفاع دون التهور، والمقاومة دون التفريط بالدولة”.

دور حركة أمل في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان 2023–2025.

المستوى السياسي و الإعلامي _

و منذ أندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر العام 2023، تبنّت حركة أمل خطابًا داعمًا للمقاومة الفلسطينية، مؤكدة وحدة الميدانين الفلسطيني واللبناني في مواجهة إسرائيل.

إلا أن خطابها أتسم في الحذر في ما يخص الأنخراط الميداني المباشر، حيث ركّزت بياناتها الرسمية على دعم الموقف الوطني الجامع وضرورة التمسك في القرار 1701 لتجنب التصعيد الواسع.

و في ذروة التوتر الحدودي العام 2024، حيث صرّح الرئيس نبيه بري _ رئيس حركة أمل بأن لبنان ليس في وارد الحرب و لكنه لن يقف متفرجًا أمام العدوان الإسرائيلي على الجنوب و هذا الموقف يعكس رؤية
حركة أمل الداعية إلى ردع مدروس لا يجر البلاد إلى مواجهة شاملة، خاصة في ظل الأنهيار الأقتصادي والسياسي الداخلي.

المستوى الميداني _

رغم أن حركة أمل لم تعلن رسميًا مشاركتها العسكرية في المواجهات، فقد أُعلن عن أستهداف عناصرها في القصف الإسرائيلي خصوصًا في مناطق الجنوب اللبناني مثل بنت جبيل والنبطية.
يشير ذلك إلى أن حركة أمل ما زالت تمتلك كوادر على تماس مع البيئة المقاومة وحزب الله حتى لو لم تنخرط ميدانيًا كتنظيم مقاتل مستقل.

المستوى الإنساني و الأجتماعي _

ركّزت حركة أمل جهودها خلال الحرب على الدعم المدني والإغاثي في المناطق المتضررة. عبر مؤسساتها الأجتماعية _ كهيئة الإغاثة ومكتب الخدمات الأجتماعية و أشرفت على نقل النازحين وتقديم المساعدات، في إطار سعيها للحفاظ على حضورها الشعبي في الجنوب والضاحية الجنوبية ولبنان عامة .

محمد المشهداني _

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى